تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢٠٠
علقمة بن عُلاثة، وكما بكى عبد الله بن جدعان من بيت الخداش بن زهير"١
وفي السيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب إلى شعراء المدينة أن يعينوه بأهاجيهم في قريش، ويروى أنه قال لحسان بن ثابت، وقد أخذ في هجاء القرشيين: "لشعرك أشد عليهم من وقع النَّبْل" وفي ذلك ما يصور مدى أثر الهجاء في نفوس العرب؛ فقد كان سلاحًا لا يقل عن أسلحتهم في القتال؛ ولذلك قرنه عبد قيَس بن خفاف البرجمي إلى ما يلقى به أعداءه من سيف ورمح ودرع، يقول٢:
فأصبحتُ أعددتُ للنائبا ... ت عِرْضًا بريئًا وعضبًا صَقيلا٣
ووقع لسان كحد السِّنانِ ... ورُمحًا طويل القناة عَسُولا٤
وسابغة من جياد الدروع ... تسمع للسيف فيها صَليلا
كماء الغدير زفته الدبور ... يجر المدحج منها فضولا٥
فاللسان كان يَنْكأ بهجائه في الأعداء نكأ السيوف والرماح. ويخيل إلى الإنسان كأنما تراص شعراء القبائل بجانب فرسانها وشجعانها في صفوف، وقد أخذ كل منهم يريش سهام هجائه ويرمي بها أعداءه من الأشراف والقبائل، وكل يحاول أن يكون سهمه أنفذ السهام وأصماها؛ حتى لا تقوم للشريف وقبيلته قائمة. وكانوا ينتهزون فرصة تلاقيهم في الأسواق وخاصة سوق عكاظ، فينشدون أهاجيهم لتذيع، وليلحقوا بخصومهم كل ما يريدون من خزي وعار، وفي ذلك يقول راشد بن شهاب اليشكري لقيس بن مسعود الشيباني٦:
ولا تُوعِدنِّي إنني إن تُلاقني ... معي مَشْرفِيٌّ في مضاربه قَضَمْ٧
وذمٌّ يُغَشَّى المرءَ خِزْيًا ورهطه ... لدى السَّرْحة العَشَّاء في ظلها الأَدَمْ٨
وهو يشير إلى سرحة أو شجرة عظيمة كانت بعكاظ؛ حيث تقام السوق
١ الحيوان: ١/ ٣٥٧ - ٣٦٣.
٢ المفضليات: ص ٣٨٦.
٣ العضب: السيف القاطع، والصقيل: المصقول الحاد.
٤ العسول: اللين المصمي.
٥ زفته: حركته، الدبور: ريح غربية
تقابل الصبا، المدجج: تام السلاح، ويجر منها فضولًا كناية عن أنها سابغة تفضل عن أطرافه.
٦ المفضليات: ص ٣٠٨.
٧ المشرفي: السيف، وقضم: فلول من كثرة الطعن.
٨ السرحة: الشجرة، العشاء، الخفيفة.