تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٦٠
كتبه ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف، ثم تقرَّأ "تنسك" فأحرقها كلها، يقول الجاحظ: "فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه، كانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية١". وكان حماد على ما يظهر يعني بالرواية أكثر من عنايته بالكتابة؛ بل لعله لم يكن يعني بالكتابة، إنما كتب عنه تلاميذه، يقول صاحب الفهرست: "لم يُر لحماد كتاب، وإنما روى عنه الناس وصنفت الكتب بعده٢". ويروى للمفضل الضبي كتب صنفها، فيها أشعار وأخبار٣ ومن المؤكد أنه لم يكتب مفضلياته؛ وإنما أنشدها تلاميذه فحملوها عنه.
ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا إن الرواة الأولين لم يدونوا ما رووه لطُلَّابهم، ولم يكن هذا شأن رواة الشعر وحدهم، بل كان شأن رواة التاريخ الجاهلي جميعهم مثل محمد بن السائب الكلبي فإن ابنه هشامًا هو الذي حمل مادة أخباره ودوَّنها في كتبه. ونفس الخليل بن أحمد لم يخلف كتابًا في النحو؛ بل أملى إملاءات جمع منها سيبويه كتابه المشهور. وكانوا يتأثرون في ذلك برواة الحديث، وربما كانت الحاجة عندهم أمس؛ لأن الشعر يحتاج إلى تلقين حتى لا يلحن فيه من ينشده، ولذلك كانوا ينبذون في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث من يلحن فيه بأنه صحفي يأخذ عن الصحف، ولا يأخذ شفاهًا عن مشيخة العلماء باللغة والشعر. ومن ثم ضعَّفوا من يروي عن المدونات ولم يقبلوا روايته إلا أن يكون قد أخذها عن شيخ، ولذلك ضعف ابن سلام رواية من يتداولون الشّعر القديم من كتاب إلى كتاب، يقول: "ليس لأحد أن يقبل من صحيفة ولا يروي عن صحفي".
والرواة التالون لهؤلاء الرواة المتقدمين هم الذين يرجع الفضل إليهم في تدوين الشعر الجاهلي تدوينًا منهجيًّا قائمًا على التوثيق والتجريح، وعلى رأسهم الأصمعي، وقد حصر اهتمامه في جمع الشعر الجاهلي في دواوين ومجموعات صحيحة. وكان هؤلاء الرواة المدونون لا يكتفون بالسماع من جلة الرواة السابقين؛ فكانوا يرحلون إلى الصحراء العربية ليتوثقوا مما يروونه على نحو ما هو معروف عن الأصمعي
١ البيان والتبيين: ١/ ٣٢١.
٢ الفهرست: "طبعة المطبعة الرحمانية" ص ١٣٥.
٣ إنباه الرواة: "طبعة دار الكتب المصرية" ٣/ ٣٠٢.