تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٥٦
أستخرج أخبار العرب وأنسابهم وأنساب آل نصر بن ربيعة "المناذرة" ومبالغ أعمار من ولي منهم لألى كسرى وتاريخ نسبهم من كتبهم بالحيرة١". وينظم في سلك هؤلاء المؤرخين الواقدي والمدائني.
وخلف يعد من قدمنا تلاميذهم من رواة القرن الثالث، وعلى رأسهم أبو عمرو الشيباني المتوفى سنة ٢١٣ وابن الأعرابي المتوفى سنة ٢٣١هـ الكوفيان، وكان وراءهما كثير من الرواة في بلدتهم مثل محمد بن حبيب وابن السكيت المتوفى حوالي سنة ٢٤٤ وثعلب المتوفى سنة ٢٩١. وانتهت الرواية في البصرة إلى أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري المتوفى سنة ٢٧٥، وإليه يرجع الفضل في جمع كثير من الدواوين الجاهلية، وهو يجمع بين الروايتين البصرية والكوفية.
ويتضح من كل ما أسلفنا أن رواية الشعر الجاهلي أحيطت بكثير من التحقيق والتمحيص، وأنه إن كان هناك رواة متهمون؛ فقد كان لهم العلماء الأثبات بالمرصاد أمثال المفضل الكوفي والأصمعي البصري، وما مثَل الشعر الجاهلي في ذلك إلا مثل الحديث النبوي؛ فقد دخله هو الآخر وضع كثير، ولكن العلماء استطاعوا تمييز صحيحه من زائفه، وقدموا لنا كتب الصحيح الستة المشهورة، وكذلك الشأن في الشعر فقد دخله فساد كثير، ولكن أصحابه الأثبات استطاعوا -في مهارة بالغة- أن يميزوا صحيحه من زائفه؛ غير تاركين منفذًا في ذلك سواء في سند الرواة أو في المتن نفسه؛ بل إن ابن سلام ليقدمهم على علماء الحديث في هذا الباب، يقول: "حدثني يحيى بن سعد القطان قال: رواة الشعر أعقل من رواة الحديث، لأن رواة الحديث يروون مصنوعًا كثيرًا. ورواة الشعر ساعة ينشدون المصنوع ينتقدونه ويقولون هذا مصنوع٢".
فينبغي أن لا نتخذ من كثرة الاتهامات في بيئة الرواية اللغوية مزلقًا إلى الطعن في الشعر الجاهلي عامة، إنما نطعن على ما طعن الرواة الثقات فيه حقًّا، ونضيف إليه ما يهدينا بحثنا الحديث إلى تزييفه. أما بعد ذلك فتبقى عامة ما رواه أثباتهم كالمفضل والأصمعي صحيحة. وكانا يتحاريان تحريًّا شديدًا.
١ تاريخ الطبري: "طبعة ليدن" القسم الأول ص ٧٧٠.
٢ ذيل الأمالي: ص ١٠٥.