تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٥٥
وأشعارها وأخبارها، ووثقوه وعدّلوه، وإن كان ذلك لم يمنع بعض منافسيه من النيل منه؛ ولكنه نيل مردود؛ فقد كان في الذروة من الثقة والأمانة، وهو عربي صليبة، ولد حوالي سنة ١٢٢ للهجرة وتوفي سنة ٢١٥ وقيل: سنة ٢١٦، أو ٢١٧، وفيه يقول ابن جني: "وهذا الأصمعي هو صَنَّاجة الرواة والنقلة، وإليه محط الأعباء والثقلة، كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره وهو حَدث لأخذ قراءة نافع عنه، ومعلوم كم قدر ما حذف من اللغة فلم يثبته؛ لأنه لم يقو عنده إذ لم يسمعه وإما إسفاف من لا علم له وقول من لا مسكة به إن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب ويفعل كذا ويقول كذا فكلام معفو عنه غير معبوء به١"، ويقول أبو الطيب اللغوي: "فأما ما يحكيه العوام وسُقَّاط الناس من نوادر الأعراب ويقولون: هذا مما افتعله الأصمعي، وأنى يكون الأصمعي كما زعموا وهو لا يفتي إلا فيما أجمع عليه العلماء، ويقف عما ينفردون به عنه ولا يجوز إلا أفصح اللغات ويلجُّ في دفع ما سواه٢". وله مجموعة مشهورة من الشعر القديم هي الأصمعيات وهي كالمفضليات ثقة ودقة، ورويت عنه دواوين كثيرة أشهرها الدواوين الستة: دواوين امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة بن عبدة الفحل.
وكان يعاصره عالمان كبيران هما أبو زيد وأبو عبيدة، وكان أبو زيد يعني يجمع اللهجات واللغات الشاذة وتوفي وقد قارب المائة، سنة ٢١٤ أو ٢١٥، وهو عربي أنصاري خزرجي، أما أبو عبيدة معمر بن المثنى فولد حوالي سنة ١١٠ وتوفي حوالي سنة ٢١١ وهو من الموالي وكانت فيه نزعة شعوبية صارخة؛ ولكن الرواة وثقوه٣ وينبغي أن لا نتبعهم في توثيقه وأن نقدم عليه الأصمعي وأبا زيد، وكان يهتم بالأنساب والأيام، وشرح نقائض جرير والفرزدق شرحه المشهور.
وكان بجانب هؤلاء الذين تحدثنا عنهم رواة يختلفون ثقة وتجريحًا مثل الهيثم بن عدي المتوفى سنة ٢٠٦، وكان يهتم بالأخبار التاريخية وتشوب التهمة روايته، وأكثر منه تهمة في هذا الباب محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة ١٤٦ للهجرة وابنه هشام المتوفى سنة ٢٠٤ وهما من كبار الوضاعين ويروى عن هشام أنه كان يقول: "كنت
١ الخصائص: ٣/ ٣١١.
٢ مراتب النحويين: ص ٤٩.
٣ إنباه الرواة: ٣/ ٢٨٠.