تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٥٤
أقيموا بني أُمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
كما وضع اللامية الأخرى المنسوبة إلى تأبط شرًّا أو إلى ابن أخته١:
إن بالشِّعب الذي دون سلع ... لقتيلًا دمه ما يُطلُّ
وتصدَّى له الأصمعي مرارًا يتهمه بالوضع والنحل؛ فقال إنه "وضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا، وعلى غيرهم، عبثًا بهم، فأخذ ذلك عنه أهل البصرة وأهل الكوفة٢" وعرض مرة لرواة الكوفة يصفهم بأنهم يقبلون كل ما يرد عليهم، فقال: "رواة غير منقحين، أنشدوني أربعين قصيدة لأبي دؤاد الإيادي قالها خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون وبها يفتخرون٣".
ويظهر أن البصريين كانوا يتحامون روايته؛ بينما كان يحملها الكوفيون رواة حماد وأضرابه، يقول المبرد فيه موضحًا ذلك: "لم يُرَ أحد قط أعلم بالشعر والشعراء منه، وكان به يضرب المثل في عمل الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس؛ فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه. ثم نسك فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالًا عظيمًا خطيرًا على أن يتكلم في بيت شعر شكوا فيه، فأبى ذلك وقال: قد مضى لي في هذا ما لا أحتاج إلى أن أزيد فيه. وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه، وبلغ مبلغًا لم يقاربه حماد؛ فلما تقرَّأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة؛ فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم٤".
وواضح من ذلك أن الكوفة هي التي حملت رواية خلف بالإضافة إلى رواية حماد، أما البصرة فقد حمل بعض الرواة روايته، ولكن الكثرة وعلى رأسها الأصمعي رفضتها. والأصمعي يقوم في البصرة مقام المفضل الضبي في الكوفة، وقد أشاد معاصروه ومن تلاهم بسعة علمه بالجاهلية.
١ انظر العقد الفريد: ٦/ ١٥٧. والحيوان: ١/ ١٨٢. وانظر مصادر الشعر الجاهلي: ص ٤٥٨ وما بعدها.
٢ مراتب النحويين: ص ٤٧.
٣ الموشح للمرزباني: ص ٢٥١ وما بعدها.
٤ مراتب النحويين ص ٤٧.