تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٥٢
اعترف بأنه أضافها من عنده، فأمر المهدي أن ينادي في الناس بإبطال روايته لكذبه وبصحة رواية المفضل مواطنه١. وحاول بعض الباحثين التشكيك في القصة٢، لأن المهدي ولي سنة ١٥٨ بعد وفاة حماد، ولكن هناك من تأخروا بوفاته إلى سنة ١٦٤ كما قدمنا، وربما أخطأ الرواة في تعيين الزمن والمكان؛ إذ ذكروا أن القصة حدثت في قصر عيساباذ الذي بناه المهدي في سنة ١٦٤ بينما أرخوا لها سنة ١٥٨. وحتى على فرض بطلان هذه القصة فإن هذا البطلان لا يدفع التهمة عن حماد، كما لا يدفعها ما يذكره بعض هؤلاء الباحثين من أن اتهامه الواسع قد يرجع إلى المنافسة بين البصرة والكوفة، فسيرته كانت سيرة شخص سيء السيرة خلقيًّا ودينيًّا، وما كان ابن سلام البصري ليقول فيه: "كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية، وكان غير موثوق به؛ كان ينحل شعر الجل غيره، وينحله غير شعره ويزيد في الأشعار٣" بعامل المنافسة لعصبية. ونفس البصريين الذين اتهموه وثقوا رواية مواطنه ومعاصره المفضل الضبي؛ فليست المسألة مسألة منافسة بين بلدين، وإنما هي حقيقة واقعة ونفس الرواة الأثبات من بلدته كانوا يشركون البصريين في نفس التهمة، فابن الأعرابي الكوفي يروي عن المفضل أنه قال: "قد سلَّط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده، فلا يصلح أبدًا؛ فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا، ولكنه رجل عالم لغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل ذلك عنه في الآفاق فتختلط أشعار القدماء لا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد وأين ذلك٤؟ ".
فالتهمة لم تكن بصرية خالصة؛ بل كانت بصرية كوفية، وربما بالغ بعض البصريين فقال عنه: إنه كان يلحن ويكسر الشعر ويصحف ويكذب٥، ولكن
١الأغاني ٦/ ٩٨ وما بعدها.
٢ انظر مقدمة لايل المفضليات ص ١٨ وما بعدها ومقالة برينلش في مجلةO.L.Z عدد ١٩٢٦ ص ٨٢٩ وما بعدها ومصادر الشعر الجاهلي ص ٤٤٢.
٣ ابن سلام: ص ٤٠.
٤ الأغاني: ٦/ ٨٩. ومعجم الأدباء: ١٠/ ٢٦٥.
٥ الأغاني ٦/ ٨٩. وانظر ٨/ ٢٨٣.