تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٥١
اسم الرواية علمًا عليه، ويروى أن الوليد بن يزيد سأله بم استحققت هذا اللقب فقيل لك: الراوية؟ فقال: "بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرًا قديمًا ولا محدثًا إلا ميزت القديم منه من المحدث، فقال الوليد: إن هذا العلم وأبيك كثير؛ فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثيرًا، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام، قال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد، فأنشد الوليد حتى ضجر، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه، ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهلين، وأخبر الوليد بذلك؛ فأمر له بمائة ألف درهم١" وقد يكون في هذا الخبر ضرب من المبالغة؛ غير أنه يصور مدى ما استقر في أذهان معاصريه عن معرفته وروايته للشعر الجاهلي.
ومن سوء حظ الكوفة أن كان هذا الراوية البارع فاسد المروءة فاسقًا ماجنًا زنديقًا ٢، وكان شاعرًا يحسن صوغ الشعر وحوكه٣ فكان ينظم على لسان الجاهليين ما لم ينطقوا به، وكثر منه ذلك حتى عرف به واشتهر، يقول الأصمعي: جالسته فلم أجد عند ثلاثمائة حرف ولم أرضَ روايته، ويقال: إنه مدح بلال بن أبي بردة المتوفى بعد سنة ١٢٦ بقصيدة، وكان ذو الرمة حاضرًا، فقال له: إنها ليست لك، وسرعان ما اعترف بأنها جاهلية٤ ويقال إنه قدم عليه مرة، فقال له: ما أطرفتني شيئًا؟ فعاد إليه فأنشده القصيدة التي في شعر الحطيئة بمديح أبي موسى الأشعري "جد بلال" فقال بلال: ويحك يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعلم به وأنا أروي شعر الحطيئة! ولكن دعها تذهب في الناس٥، وقصته في مجلس أمير المؤمنين المهدي مع المفضل الضبي مشهورة؛ فقد زاد ثلاثة أبيات في مطلع قصيدة زهير: "دع ذا وعد القول في هرم" فأنكرها المفضل ولما سأله عنها المهدي بكل يمين محرجة
١ الأغاني: ٦/ ٧١. ومعجم الأدباء: ١٠/ ٢٥٩.
٢ الحيوان: ٤/ ٤٤٧. والأغاني: ٦/ ٧٤. وأمالي المرتضى ١/ ١٣١. ولسان الميزان: ٢/ ٣٥٣، ٣/ ١٧٣.
٣ المزهر ٢/ ٤٠٦ حيث يذكر أن الأصمعي روى شيئًا من شعره وانظر الأغاني ٥/ ٢٠٩؛ حيث يروي له أبياتًا محكمة الصنعة.
٤ الأغاني ٦/ ٨٨.
٥ طبقات فحول الشعراء ص ٤٠/ ٤١. وحاول ناصر الدين الأسد أن يصحح نسبة القصيدة للحطيئة لرواية المدائني ورواة ديوان الحطيئة لها، ولكن ذلك لا يكفي لصحة نسبها.