تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٥٠
والعربية وبالقرآن والشعر وبأيام العرب وأيام الناس وكانت كتبه التي كتبها عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف.. ثم إنه تقرأ أي تنسك فأحرقها١" وهو إحراق لا يغير من الأمر شيئًا؛ فإن ما رواه حمله عنه تلاميذه البصريون، وكان إمامهم وقدوتهم. ويحكى عنه أنه قال: "ما زدت في شعر العرب إلا بيتًا واحدًا، يعني ما يرْوَى للأعشى من قوله:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا٢
وحاول بعض الباحثين التشكيك في روايته لهذا الاعتراف٣، وهو اعتراف يوثق روايته ويزيدها قوة، وفي سيرته ما يدل دلالة قاطعة بأنه كان ثقة؛ فقد كان تقيًّا صالحًا، وكان أحد الأعلام الذين أخذت عنهم تلاوة القرآن الكريم. أما حماد رأس رواة الكوفة فكان من الموالي، ولد سنة ٩٥للهجرة، وتوفي سنة ١٥٦ وقيل بل سنة ١٦٤ ويقال إنه: "كان في أول أمره يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص؛ فنقبَ ليلة على رجل، فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد، فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك وترك ما كان عليه، فبلغ في العلم ما بلغ٤" وربما كان مما يصور هذا العلم ومداه ما يروى عن مروان بن أبي حفصة من قوله: "دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثقفي والحسين بن مطير الأسدي في جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد "١٢٥-١٢٦هـ" وهو في فرش قد غاب فيها، وإذا رجل عنده كلما أنشد شاعر شعرًا وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره وقال: هذا أخذه من موضع كذا وكذا، وهذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان، من موضع كذا وكذا، وهذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان، حتى أتى على أكثر الشعراء، فقلت: من هذا؟ فقالوا: حماد الراوية"٥ ويروى عن الهيثم بن عدي أنه كان يقول: "ما رأيت رجلًا أعلم بكلام العرب من حماد٦" وهذه المعرفة الواسعة بكلام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها وأيامها جعلتهم يطلقون
١ انظر البيان والتبيين ١/ ٣٢١.
٢ الأغاني "طبعة دار الكتب" ٣/ ١٤٣.
٣ انظر مقالة مرجليوثThe Origins of arabic Poetry في صحيفة الجمعية الآسيوية الملكية عدد يولية سنة ١٩٢٥ ص ٤٢٩ وتاريخ الأدب العربي لبلاشير ١/ ١١١.
٤ الأغاني ٦/ ٨٧.
٥ الأغاني ٦/ ٧١.
٦ انظر ترجمته في معجم الأدباء لياقوت ١٠/ ٢٦٥.