تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٤٦
صنعاء اليمن، ويتخذه سميرًا له يسأله عن الأخبار المتقدمة والملوك السالفة، وهاله ما عنده من العلم بذلك؛ فاتخذ غلمانًا يقيدون في دفاتر ما يذكره من سير الملوك وأخبارها ووقائع العرب وأيامها في الجاهلية وأشعارها١.
ومنذ وقت مبكر في صدر الإسلام نرى القصاص يجلسون للعظة في المسجد الجامع. وكانوا كثيرًا ما ينثرون الأشعار الجاهلية التي تتصل بوعظهم في تضاعيف قصصم. وقد أخذت تنشأ جماعة مثل أبان بن عثمان بن عفان وعروة بن الزبير تُعْنى بغزوات الرسول وما قيل فيها من الشعر، وأخذ يظهر بجانبهم جماعة تعنى بأخبار العرب الماضيين وما كان يجري على ألسنة شعرائهم. وفي أثناء ذلك كان الشعراء الإسلاميون أنفسهم يعنون عناية شديدة برواية الشعر القديم، وبلغ من اهتمام بعضهم بذلك أن أصبح مؤدبًا للناشئة يرويها الشعر القديم على نحو ما نعرف عن الكميت والطرماح٢. ولم يكن هناك شاعر مبرز إلا وهو يروي للجاهليين وينشد من شعرهم، وفي كتب الأدب إشارات مختلفة إلى ما أخذه العلماء عن أمثال ذي الرمة والفرزدق وجرير ورؤية من هذا الشعر٣، وصور الفرزدق مدى روايته ومعرفته للشعر الجاهلي، فقال في بعض قصيده٤:
وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول٥
والفحل علقمة الذي كانت له ... حُلل الملوك كلامه لا ينحل
وأخو بني قيس وهن قتلنه ... ومهلهل الشعراء ذاك الأول٦.
والأعشيان كلاهما ومرقش ... وأخو قضاعة قوله يتمثل٧
وأخو بني أسد عبيد إذ مضى ... وأبو دؤاد قوله يتنخل
١ انظر مصادر الشعر الجاهلي: ص ١٥٩ والفهرست ص ١٣٢.
٢ البيان والتبيين: ١/ ٢٥١، ٢/ ٣٢٣.
٣ مصادر الشعر الجاهلي: ص ٢٢٥ وما بعدها.
٤ نقائض جرير والفرزدق: ص ٢٠٠ والديوان: "طبع القاهرة" ص ٧٢٠.
٥ النوابع: النابغة الذبياني والجعدي والشيباني، وأبو يزيد: المخبل، وذو القروح: امرؤ القيس، وجرول: الحطيئة.
٦ أخو بني قيس: طرفة، وهن قتلنه: يريد القوافي؛ لأنه قتل بسبب بعض أهاجيه.
٧ الأعشيان: أعشى بنى قيس وأعشى باهلة وأخو قضاعة: أبو الطمحان القيني.