البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ٥٩ - سر من رأى
الأتراك عن قطائع الناس جميعا، و جعلهم معتزلين عنهم لا يختلطون بقوم من المولدين و لا يجاورهم إلا الفرغنة [١].
و أقطع أشناس و أصحابه الموضع المعروف بالكرخ و ضم إليه عدة من قوّاد الأتراك، و الرجال، و أمره أن يبني المساجد و الأسواق.
و أقطع خاقان عرطوج و أصحابه مما يلي الجوسق الخاقاني، و أمر بضم أصحابه، و منعهم من الاختلاط بالناس.
و أقطع و صيفا و أصحابه مما يلي الحير، و بنى حائطا سماه حائر الحير ممتدا.
و صيّرت قطائع الأتراك جميعا و الفراغنة العجم بعيدة من الأسواق و الزحام في شوارع واسعة و دروب طوال، ليس معهم في قطائعهم و دروبهم أحد من الناس يختلط بهم من تاجر و لا غيره.
ثم اشترى لهم الجواري فأزوجهم منهن، و منعهم أن يتزوجوا و يصاهروا إلى أحد من المولدين [٢]، إلى أن ينشأ لهم الولد فيتزوج بعضهم إلى بعض.
و أجرى لجواري الأتراك أرزاقا قائمة، و أثبت أسماءهن في الدواوين فلم يكن يقدر أحد منهم يطلّق امرأته و لا يفارقها، و لمّا أقطع أشناس التركي في آخر البناء مغربا [٣]، و أقطع أصحابه معه و سمى الموضع الكرخ أمره أن لا يطلق [٤] لغريب من تاجر، و لا غيره مجاور لهم و لا يطلق [٥] معاشرة المولدين.
فأقطع قوما آخرين فوق الكرخ و سمّاه الدور، و بنى لهم في خلال الدور و القطائع المساجد و الحمامات، و جعل في كل موضع سويقة فيها عدة حوانيت للفاميين [٦] و القصابين و من أشبههم ممن لا بد لهم منه و لا غنى عنه.
و أقطع الأفشين خيذر بن كاوس الأسروشني في آخر البناء مشرقا على قدر
[١] الفرغنة: المنطقة خلا زرعها. و الفراغنة: قوم من العجم. (القاموس المحيط، مادة: فرغ).
[٢] المولّدون: المولّد المحدث من كلّ شيء، و منه المولّدون من الشعراء أو الأدباء سمّوا بذلك لحدوثهم، و القول: رجل مولّد و كلام مولّد: عربي غير محض. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: ولد).
[٣] مغربا: ناحية بعيدة. أو ناحية المغرب.
[٤] يطلق: يستعجل. (النجد في اللغة و الأعلام، مادة: طلق).
[٥] يطلق: يسمح ب.
[٦] الفاميّ: البقال. (القاموس المحيط، مادة: فوم).