البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ١٤ - بغداد
تجارات البلدان أكثر مما في تلك البلدان التي خرجت التجارات منها، و يكون مع ذلك أوجد و أمكن، حتى كأنما سيقت إليها خيرات الأرض، و جمعت فيها ذخائر الدنيا، و تكاملت بها بركات العالم، و هي مع هذا مدينة بني هاشم [١] و دار ملكهم، و محل سلطانهم، لم يبتد بها أحد قبلهم، و لم يسكنها ملوك سواهم.
و لأن سلفي كانوا القائمين بها، واحدهم تولى أمرها، و لها الاسم المشهور و الذكر الذائع، ثم هي وسط الدنيا، لأنها على ما أجمع عليه قول الحساب و تضمّنته كتب الأوائل من الحكماء في الإقليم الرابع، و هو الإقليم الأوسط الذي يعتدل فيه الهواء في جميع الأزمان و الفصول.
فيكون الحرّ بها شديدا في أيام القيظ، و البرد شديدا في أيام الشتاء، و يعتدل الفصلان الخريف و الربيع في أوقاتهما.
و يكون دخول الخريف إلى الشتاء غير متباين الهواء، و دخول الربيع إلى الصيف غير متباين الهواء، و كذلك كل فصل ينتقل من هواء إلى هواء، و من زمان إلى زمان، فلذلك اعتدل الهواء، و طاب الثوى [٢]، و عذب الماء، و زكت الأشجار، و طابت الثمار، و أخصبت الزروع، و كثرت الخيرات، و قرب مستنبط معينها [٣].
و باعتدال الهواء، و طيب الثرى، و عذوبة الماء حسنت أخلاق أهلها، و نضرت وجوههم، و انفتقت أذهانهم حتى فضلوا الناس في العلم، و الفهم، و الأدب، و النظر، و التمييز، و التجارات، و الصناعات، و المكاسب، و الحذق [٤] بكل مناظرة، و إحكام كل مهنة، و إتقان كل صناعة، فليس عالم أعلم من عالمهم، و لا أروى من روايتهم، و لا أجدل من متكلّمهم، و لا أعرب [٥] من نحويهم [٦]، و لا أصح من قارئهم، و لا أمهر من متطبّبهم، و لا أحذق من مغنّيهم، و لا ألطف من صانعهم، و لا أكتب من كاتبهم، و لا
عريا من غير لأمة تدفع عنهم و لا عن خيلهم. (صبح الأعشى ج ٥/ ص ٢٨٩).
[١] بنو هاشم: و هم العباسيّون خلفاء الدولة العباسية و أتباعهم.
[٢] الثوى: المكان. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: ثوي).
[٣] المعين: بفتح الميم، هو الماء الجاري. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: معن).
[٤] الحذق: الذكاء. (القاموس المحيط، مادة: حذق).
[٥] أعرب: أي أعرب كلامه حسّنه و أفصح و لم يلحن. (القاموس المحيط، مادة: عرب).
[٦] نحويهم: النحوي و هو العالم بعلم النحو و هو إعراب الكلام و أصول استعمالاته. (القاموس المحيط، مادة: النحو).