دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٥٦
به أيضاً على نظرائه ".
وقد اشتهر المعتضد بشغفه بالنساء، فكان إلى جانب زوجه
الحسناء الأثيرة لديه، إبنة مجاهد العامرى، وأخت ولده على إقبال الدولة
صاحب دانية، يقتنى في قصوره الفخمة، عدداً كبيراً من الجوارى البارعات
في الحسن والسحر، من سائر الأجناس والملل، بلغ عددهن حسبما قيل، نحواً من
السبعين، وكان له من الولد الذكور نحو العشرين، وكذلك مثلهم من الإناث [١] .
بقيت من صفات المعتضد، خلة لامعة، تبعث إلى الإعجاب والعطف في تلك
الشخصية التي لا توحى معظم صفاتها إلا شعور المقت والروع، تلك هى أدبه
الرفيع ونظمه الرائق.
وهنا أيضاً نستعير قلم ابن حيان إذ يقول: "ونظر مع ذلك
في الأدب قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان، أدنى نظر، بأذكى طبع حصل
منه لثقوب ذهنه، على قطعة وافرة علقها من غير تعهد لها، ولا إمعان فى
غمارها، ولا إكثار من مطالعتها، ولا منافسة في اقتناء صحائفها، أعطته سجيته
على ذلك ما شاء من تحبير الكلام، وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة، فى
معان أمدته فيها الطبيعة، وبلغ فيها الإرادة، واقتبسها الأدباء للبراعة" [٢] .
وقال الحميدى: "كان أبو عمرو بن عباد صاحب إشبيلية، من أهل
الأدب البارع، والشعر الرائع، والمحبة لذوى المعارف.
وقد رأيت له سفراً
صغيراً في نحو ستين ورقة من شعر نفسه" [٣] .
وقال ابن القطان: "وكان لأهل الأدب عنده سوق نافقة، وله في ذلك
همة عالية، ألف له الأعلم أديب عصره، ولغوى زمانه، شرح الأشعار الستة، وشرح الحماسة، وألف له غيره دواوين وتصانيف لم تخرج إلى الناس" [٤] .
والأدب والشعر من محاسن الأسرة العبادية ومآثرها العريقة، فقد نبغ معظم
رجالاتها في النثر والنظم، ولم تكن براعة المعتضد في الشعر إلا قبساً من تراث
أسرته؛ ولقد بلغ ولده المعتمد، فيما بعد، في عالم الشعر أسمى مراتبه، وكان
من أعظم شعراء الأندلس في عصره.
وذكر لنا ابن بسام أن شعر المعتضد قد
جمع بعناية ولد أخيه اسماعيل في ديوان أطلع عليه [٥] ، واختار منه ما اختار في الذخيرة
[١] ابن حيان، ونقله دوزى في المصدر السابق ص ٢٤٥.
وفى الحلة السيراء (١٩٦٤) ج ٢ ص ٤٣.
[٢] ابن حيان، ونقله دوزى في المصدر السابق ص ٢٤٥.
وفى الحلة السيراء ج ٢ ص ٤٢.
[٣] في جذوة المقتبس رقم ٦٧٢.
ونقله البيان المغرب ج ٣ ص ٢٨٥.
[٤] البيان المغرب ج ٣ ص ٢٨٤.
[٥] وهذا ما ذكره أيضاً ابن الأبار في الحلة السيراء (١٩٦٤) ج ٢ ص ٤٣.