دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٢٠
للفيلسوف ابن حزم، وهو من أعظم مفكرى عصر الطوائف، عن فتنة الطوائف، ودولها، وأمرائها المستهترين، ومجتمعها المنحل، وحكوماتها الباغية، طائفة
من الأقوال والأحكام الصادقة، وردت في رسالته المعنونة " التلخيص لوجوه
التخليص ".
وهى عبارة عن ردود على بعض أسئلة في شئون دينية وفقهية، وجهت إليه من بعض أصدقائه، ومنها سؤال يتعلق بأمر الفتنة، وآخر عن وجه
السلامة في المطعم والملبس والمكسب، وتتضمن هذه الأقوال من النظرات الثاقبة، والأحكام القاطعة، ما يدمغ مجتمع الطوائف بشدة وقسوة، وهى مع سلامة
منطقها، وعدالتها، مما يبعث إلى النفس أشد ضروب الأسى والألم، فهو يصف
لنا فتنة الطوائف وتصرفات ملوكها على النحو الآتى:
" وأما ما سألتم من أمر هذه الفتنة، وملابسة الناس بها، مع ما ظهر من
تربص بعضهم ببعض، فهذا أمر امتحنا به، نسأل الله السلامة، وهى فتنة
سوء، أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى، من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب.
وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شىء من أندلسنا هذه، أولها عن
آخرها، محارب لله تعالى ورسوله، وساع في الأرض بفساد.
والذى ترونه
عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من
ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها، ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع
طرق المسلمين في أخذ الجزية، والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون
بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدامة نفاذ أمرهم ونهيهم، فلا تغالطوا أنفسكم، ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون
جلود الضأن على قلوب السباع، المزيفون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم
على فسقهم " [١] .
وقد كان الفقهاء في الواقع، في هذا العصر الذى ساد فيه الانحلال والفوضى
الأخلاقية والاجتماعية، أكبر عضد لأمراء الطوائف في تبرير طغيانهم وظلمهم،
[١] نشر الأستاذ ميجيل آسين بلاثيوس M.
Asin Palacios بعض مقتطفات من هذه الرسالة
في مجلة الأندلس.
Al - Andalus (ano ١٩٣٤) , p.
٣٥ - ٣٧.
ثم نشرت الرسالة بعد ذلك كاملة ضمن
مجموعة رسائل أخرى لابن حزم بعنوان " الرد على ابن النغريلة اليهودى ورسائل أخرى " (القاهرة
سنة ١٩٦٠) ، ص ١٣٩ - ١٨٥.