دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢١٨
ابن الخطيب من جهة أخرى، أن شاطبة كان يتولى حكمها منذ انقراض الدولة
العامرية، الفتى خيرة الصقلبى، وتوطد بها أمره، وكان مبارك يتوق إلى إزالته
عنها، ففى ذات يوم زار خيرة بلنسية، واستضافه مبارك ودس له السم في الطعام
فهلك بعد أيام قلائل، وتولى نائبه عبد العزيز بن أفلح حكم شاطبة مكانه تحت
رعاية مبارك، وتركه مبارك على حاله إلى أن استولى عليها مجاهد العامرى [١] .
وعلى أى حال، فإنه يبدو، أن مظفراً ومباركاً كانا وفقاً لرواية ابن حيان
المتقدمة، يحكمان معاً مدينة بلنسية بصفة فعلية.
وبلغت جباية بلنسية في عهدهما مائة وعشرين ألف دينار في الشهر، سبعون
منها من بلنسية ذاتها، وخمسون من شاطبة التابعة لعمالتها، وكانا يشتدان في تحصيل
هذه الأموال، حتى أرهقت الرعية وأثقل كاهلها.
على أن هذين العبدين لم يقصرا في تحصين بلنسية وصيانتها، فابتنيا سورها
وزود بأبواب حصينة، فارتفع طمع الطامعين عنها، ووفد إليها الناس بأموالهم، واستقروا، وابتنوا المنازل والقصور الفخمة، والرياض الزاهرة، وكان
مبارك ومظفر قدوة في ذلك فأنشآ القصور الفخمة، واقتنيا نفيس المتاع والرياش
والآلات.
وكان موكبهما إلى المسجد الجامع ببلنسية، يذكر الناس بفخامته
وأناقته، وفاخر ما يرتديانه من اللباس، بمواكب مولاهما عبد الملك المظفر
ابن المنصور نفسه.
ووفد على بلنسية في ظل مبارك ومظفر، كثير من الموالى والصقالبة من الإفرنج
والبشكنس وغيرهم، من طائفتهم وعشيرتهم، وكثير من العبيد الآبقين من
مختلف نواحى الأندلس، وكان من هؤلاء الصقالبة، الوافدين المشردين، كثير من الفرسان الشجعان، وانتسب معظمهم إلى ولاء بني عامر، واكتسبوا
بذلك نفوذاً، ووفد على المدينة أيضاً كثير من أرباب المهن والحرف، وكان
لذلك كله أثره في تقدم العمران والرخاء بالمدينة [٢] .
وكان من أهم أعمال مبارك العسكرية محاربته لمنذر بن يحيى التجيبى صاحب
[١] أعمال الأعلام ص ٢٢٦.
[٢] الذخيرة القسم الثالث - المخطوط - اللوحة ٣ أوب و ٤ أ.
وراجع أيضاً البيان
المغرب ج ٣ ص ١٥٨ - ١٦١.