دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٣٦٠
وقوله وقد رأى سرباً من القطا يمر بمعتقله:
بكيت إلى سرب القطا إذ مررن به..
.
سوارح لا سجن يعوق ولا كبل
ولم تك والله المعيد حسادة..
.
ولكن حنيناً إن شكلى لها شكل
فأسرع فلا شمل صديع ولا الحشى..
.
وجيع ولا عينان يبكيهما ثكل
وقوله في لوم أمير المسلمين على ظلمه:
أبى الدهر أن يقنى الحياء ويندما..
.
وأن يمحو الذنب الذى كان قدّما
وأن يتلقى وجه عتبي وجهه..
.
بعذر يغشى صفحتيه التذمما
ستعلم بعدى من تكون سيوفه..
.
إلى كل صعب من مراقيك سلما
سترجع إن حاولت دونى فتكة..
.
بأخجل من خد المبارز أحجما
وأذكت مأساة بني عباد في الوقت نفسه دولة الشعر في الأندلس، ونظم
أكابر شعراء العصر في رثاء دولتهم، والتوجع على أيامهم، طائفة من القصائد
المؤثرة، التي ما زالت تحتفظ حتى اليوم بكل روعتها وحياتها.
وكان أغزرهم
في ذلك مادة، أبو بكر بن اللبانة، شاعر المعتمد المتقدم ذكره، فقد بقى على
صلاته ووفائه للمعتمد، وزاره في سجنه بأغمات، ونظم في دولته وأيامه، وفى محنته وأسره، عدة من قصائده الرنانة، يضمها كتاب وضعه في تاريخ
بنى عباد، وأسماه: " كتاب نظم السلوك في مواعظ الملوك " [١] .
واستطال أسر المعتمد وسجنه حتى سنة ٤٨٨ هـ، بيد أنه استطاع في غمر
المحنة والبؤس الطاحن، أن يحتفظ بكثير من جلاله السابق، فكان هذا الجلال
يشع في ظلمات سجنه، كما يشع ضوء الشمس إذا أحدق به الغمام [٢] .
وفى
أواخر أيامه صدرت أوامر أمير المسلمين بالتضييق عليه وتصفيده بالأغلال، بسبب ثورة محلية قام بها ولده عبد الجبار في بعض حصون إشبيلية، وكان ممن
أفلت عند سقوطها وذلك حسبما نذكر بعد.
وفى اليوم الحادى عشر من شوال
سنة ٤٨٨ هـ (أواخر أكتوبر ١٠٩٥ م) ، توفى المعتمد في سجنه بقلعة أغمات بعد
[١] يراجع بعض هذه القصائد في قلائد العقيان ص ٢٩ و ٣٠، وابن خلكان ج ٢ ص ٤١
وما بعدها، وفي نفح الطيب ج ٢ عى ٤٥٧ و ٤٥٨.
وكذلك في الحلة السيراء ج ٢ ص ٥٩ - ٦٧.
هذا وقد كتب ابن قاسم الشلبى مجموعاً في أخبار المعتمد ابن عباد أشار إليه ابن الأبار (الحلة ج ٢
ص ١٣٦) .
[٢] تاريخ المرابطين والموحدين لأشباخ (الطبعة الثانية) ص ٩٧.