دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١١
تمهيد
نذر الانحلال والتفكك
- ١ -
في فترة قصيرة لا تتجاوز نصف القرن، تقلبت الأندلس بين مرحلتين
متباينتين كل التباين.
فهى في منتصف القرن الرابع الهجرى وحتى أواخر هذا
القرن، تبلغ ذروة القوة والتماسك، في ظل رجال عظام مثل عبد الرحمن الناصر
والحكم المستنصر، والحاجب المنصور، ثم هى منذ أوائل القرن الخامس، تنحدر فجأة إلى معترك لا مثيل له، من الاضطراب والفتنة والحرب الأهلية المدمرة، لتخرج من هذه الغمار بعد فترة قصيرة، أشلاء لا تربطها أية رابطة مشتركة.
وإنه لمنظر مروع مؤس معاً، ذلك الذى تقدمه إلينا الأندلس في تلك الفترة
العصيبة من تاريخها، منظر القواعد والمدن الأندلسية، التي كانت من قبل تلتئم فى
عقد منتظم واسطته مدينة قرطبة العظيمة، وتسطع في ظل حكومة الخلافة القوية، وتلتف حول عرش الخلفاء المؤثل، وهى تغدو حبات متفرقة منفردة حائرة، تقوم في كل منها حكومة محلية هزيلة، على رأسها متغلب من أهل العصبية أو الرياسة، يسيطر على أقدارها لحساب نفسه.
ثم هى بعد ذلك كله، تخوض غمار سلسلة
لا نهاية لها من الفتن والحروب الأهلية الصغيرة، وتنسى في خلال هذه الفترة
الخطيرة المؤسية من حياتها أو تتناسى، قضية الأندلس الكبرى، قضية الحياة
والموت، أو بعبارة أخرى قضية الصراع ضد العدو الخالد - أعنى اسبانيا النصرانية -
بيد أن انتثار شمل الأندلس على هذا النحو لم يكن سوى نتيجة طبيعية
للعوامل السياسية والاجتماعية التي توالت في الحقبة السابقة.
بل نستطيع أن نرجع
هذه العوامل إلى بداية قيام الدولة الأموية ذاتها، أعنى إلى عهد عبد الرحمن الداخل.
فقد رأينا هذا الزعيم القوى.
بعد أن استولى على تراث الأندلس، واستتب له
الأمر، يعمل بكل ما وسع للاستئثار بالسلطة، وإخماد النزعة القبلية، وتحطيم
الزعامات والرياسات العربية المحلية.
وقد حذا خلفاؤه من أمراء بني أمية حذوه