دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٣٤
بعاطفة من الحسد إزاء هذا الفارس المظفر، لازمته طول حياته [١] ، ومن ثم فقد
انتهى إلى إبعاد " السيد " عن بلاطه، وعن سائر أراضيه، وذلك في سنة ١٠٨١ م.
وهنا يبدأ الفصل الروائى حقاً في حياة السيد إلكمبيادور، فيبدو مغامراً
يبحث وراء طالعه، ويخرج على كل اعتبار دينى أو قومى، فيؤجر نفسه
وصحبه، تارة للأمراء المسلمين وتارة للأمراء النصارى، ويندس إلى كل ثورة
تنشب أو حرب تضطرم هنا وهنالك، ويطلب الغنم والسلطان، حيثما استطاع، وبأى الوسائل.
وكانت ظروف اسبانيا المسلمة، يومئذ مما يفسح المجال لأطماع، جندى مغامركالسيد.
فهناك الحروب الأهلية المستمرة، وهناك الرغبة المستمرة
في الاستعانة بالجند النصارى، وإغداق الأموال عليهم، وقد رأينا في أخبار
دول الطوائف، وأخبار ملوكهم، ما يؤيد هذه الحقيقة المؤلمة كل التأييد.
وكانت
هذه الحروب الإنتحارية تجرى يومئذ في سائر أنحاء الأندلس، وكانت فى
الوقت الذى خرج فيه السيد بعصابته من قشتالة تضطرم بنوع خاص في الإمارات
الشمالية، التي استقر فيها بنو هود، فيما بين سرقسطة، وثغور الشاطىء، وفيما
بينها وبين بلنسية.
فإلى هذا الميدان المضطرم، هبط السيد وجنوده المرتزقة، والتحق أولا بخدمة المقتدر بن هود أمير سرقسطة، وكان المقتدر قد استعان
على محاربة أخيه المظفر صاحب لاردة، بجنود من البشكنس والقطلان حتى
هزمه أخيراً وأسره، فكان المظفر أسيراً وقت أن حل السيد ببلاط المقتدر، ثم توفى المقتدر بعد قليل سنة ٤٧٤ هـ (١٠٨١ م) بعد أن قسم مملكته بين ولديه، فخص ولده المؤتمن بسرقسطة وأعمالها، وأخاه المنذر بدانية وطرطوشة ولاردة.
ثم وقعت الحرب الأهلية بين الأخوين، فاستعان المنذر بسانشو راميرز ملك
أراجون وكونت برشلونة، وحارب السيد إلى جانب المؤتمن، ولد حاميه
والمحسن إليه، وانتهى الأمر بهزيمة المنذر، وعاد السيد إلى سرقسطة ظافراً، فاحتفى به أهلها أيما احتفاء، وبالغ المؤتمن في إكرامه وإثابته.
وكان المؤتمن
يعتز بصداقة السيد ومحالفته، ويعلى من شأنه ويأخذ بنصحه في معظم الأمور، ولا يرى في ذلك غضاضة وانحرافاً، وكان المنذر من جهة أخرى يبغض السيد
أشد البغض، ويستعين في محاربته بالأمراء القطلان أصحاب برشلونة.
ولما توفى
[١] R.
M.
Pidal: ibid ; p.
٢٦١ & ٥٨٠ & ٥٩٠