دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٧٥
ولما انهارت الدولة العامرية، واضطرمت الفتنة في نهاية المائة الرابعة، وشعر الفتيان العامريون، أنه لا أمل لهم في النهوض والسلطان، خلال الفوضى
الشاملة، التي غمرت قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، سار معظمهم إلى شرقى
الأندلس.
وكان من هؤلاءكبيرهم خيران العامرى، فسار أولا إلى أوريولة، وهى أمنع قواعد ولاية تدمير، وبسط عليها سلطانه، ثم سار منها إلى مرسية
واستولى عليها، وذلك في سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢ م) .
واستخلف عليها نائبه، وزميله زهيراً العامرى، ثم سار منها في قواته إلى ألمرية، وانتزعها من صاحبها
أفلح الصقلبى، على نحو ما ذكرنا في موضعه، وغدت ألمرية من ذلك الحين
قاعدته الرئيسية، تتبعها مرسية وأوريولة من شرقى الأندلس.
وقد ذكرنا فيما تقدم، كيف أجمع الفتيان العامريون، الذين تغلبوا على
شرقى الأندلس، على أن يتخذوا لهم زعيماً، من بيت مولاهم العظيم المنصور
ابن أبي عامر، وكيف وقع اختيارهم في ذلك.
على عبد العزيز بن عبد الرحمن بن
المنصور، فتمت بيعته في شاطبة، ثم لحق بعد ذلك ببلنسية، وبسط سلطانه
عليها بتأييد الفتيان، وتسمى بالمنصور، وذلك في سنة ٤١١ هـ (١٠٢١ م) .
ثم أشرنا إلى موقف الخصومة، الذى وقفه خيران بعد ذلك من زعامة
عبد العزيز المنصور، وإلى ما عمد إليه من ترشيح ابن عمه محمد بن عبد الملك
المظفر بن المنصور للزعامة مكانه، واستقدامه إلى شرقى الأندلس، ونزوله له
عن رياسة مرسية وأوريولة.
وتلقب محمد بالمعتصم، بيد أن أمد رياسته لم يطل، إذ تنكر له خيران، كما تنكر من قبل لابن عمه عبد العزيز المنصور، ثم سار
إليه في قواته، وضيق عليه، حتى اضطر إلى مغادرة مرسية، ولجا إلى أوريولة، فشدد خيران في مطاردته حتى فر منها، وسار إلى دانية، فعاش حيناً في كنف
أميرها مجاهد العامرى: ثم غادرها إلى غربى الأندلس، وهنالك عاش بقية
حياته، وتوفى في سنة ٤٢١ هـ (١٠٣٠ م) [١] .
وعاد زهير العامرى نائباً لخيران على مرسية وأوريولة: واستقر خيران
بألمرية أميراً عليها، حتى توفى سنة ٤١٩ هـ (١٠٢٨ م) .
وعندئذ خلفه في حكم مملكة ألمرية، وفي حكم مرسية وأوريولة بالأصالة،
[١] أعمال الأعلام ص ١٩٣ و ١٩٤، وابن خلدون ج ٤ ص ١٦٢.