دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٨٣
مقدرته السياسية والعسكرية التي رأيناها تبدو في كثير من أعماله ومشاريعه، وبالرغم مما كانت تنطوى عليه هذه المشاريع والأعمال أحياناً من صفات سيئة، يتمتع بكثير من الخلال البديعة، فقد كان أميراً عظيماً يحيط نفسه بجو من المهابة
والروعة، وكان بلاطه من أعظم قصور الطوائف وأفخمها، وكان يحيط نفسه
بطائفة من أشهر العلماء والكتاب في عصره، ومن هؤلاء العلامة الفقيه أبو الوليد
الباجى، ووزيره أبو المطرف بن الدباغ، ووزيره الكاتب اليهودى المسلم أبو الفضل
ابن حسداى السرقسطى، وكان كلاهما من أعلام عصره في البلاغة والأدب.
بل كان المقتدر نفسه من علماء عصره، وكان يشغف بدراسة الفلسفة
والرياضة والفلك، وقد كتب كتباً في الفلسفة والرياضة [١] .
وكان قصر المقتدر
وهو المسمى بقصر " الجعفرية "، نسبة إلى كنيته، وهى " أبو جعفر "، من أعظم
وأفخر القصور الملكية في ذلك العصور، وقد اشتهر في تاريخ الفن الإسلامى باسم
" دار السرور "، وكان أروع ما فيه بهوه الرائع الذى زينت جدرانه بالنقوش
والتحف الذهبية البديعة، والذى كان يسمى لذلك بالبهو الذهبى، أو مجلس الذهب.
وفيه يقول منشؤه المقتدر:
قصر السرور ومجلس الذهب..
.
بكما بلغت نهاية الطرب
لو لم يحز ملكى خلافكما..
.
لكان لدى كفاية الأرب
ولما سقطت سرقسطة في يد الإسبان شوهت معالم هذا القصر البديع، وأدخلت
فيه تعديلات وتغييرات عديدة قضت على محاسنه وزخارفه العربية.
وما زالت
بقاياه الدارسة تقوم حتى اليوم في قلب مدينة سرقسطة باسم قصر الجعفرية
Palacio Aljaferia، وقد شهدناه خلال زيارتنا لسرقسطة، ولم يبق من بنائه
الإسلامى سوى بقية مشوهة من مسجده السابق.
وكان المقتدر فوق شغفه بالعلوم، أديباً ينظم الشعر، وقد نسب إليه
الحجارى صاحب المسهب قوله:
لست لدى خالقى وجيهاً..
.
هذا مدى دهرى واعتقادى
لو كنت وَجْهاً لما برانى..
.
في عالم الكون والفساد [٢]
[١] Dozy: Histoire ; Vol.
III.
p.
١٦٣ - R.
M.
Pidal: ibid, p.
٢٨٢
[٢] راجع المغرب في حلى المغرب (القاهرة) ج ١ ص ٤٣٧.