دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٣٣٨
قطع المدد والمؤن عن عساكره ومحلاته التي تركها بالأندلس، فساءه ذلك [١] ، ومنها ما وقف عليه يوسف، من رجوع بعض رؤساء الطوائف إلى مصادقة
ألفونسو ملك قشتالة وممالأته، بل واستعدائه على محاربة يوسف نفسه، وإمداده لذلك بالأموال والهدايا، وكان هذا بالذات موقف عبد الله بن بلقين
صاحب غرناطة [٢] ، ثم كان فيما بعد موقف المعتمد بن عباد، وقد عمدكلاهما فى
الواقع إلى تحصين بلاده والاستعداد للدفاع عنها [٣] .
والظاهر أيضاً أن أمير المسلمين لم يتخذ قراره الخطير بافتتاح الأندلس فجأة، ولكنه عمد إلى دراسته ومشاورة الزعماء والفقهاء في أمره، وقد تلقى في ذلك فتاوى
الفقهاء من المغرب والأندلس، بوجوب خلع ملوك الطوائف، وانتزاع الأمر
من أيديهم، بل لقد تلقى مثل هذا الرأى من أكابر فقهاء المشرق، وفي مقدمتهم
أعلام كالإمام الغزالى، وأبى بكر الطرطوشى نزيل مصر يومئذ وغيرهما [٤] .
وإذاً فقد التمس أمير المسلمين لتنفيذ مشروعه، سند أحكام الشرع، وتأييد
أهل الرأى، قبل الإقدام عليه.
ويمكننا أن نضيف إلى ما تقدم، ذلك الباعث الطبيعى، الذى يضطرم به
كل زعيم قوى وكل متغلب، ونعنى شهوة الفتح والتوسع، فلا ريب أن
يوسف بن تاشفين وصحبه، وهم أولئك البدو الصحراويون، قد راقهم ما شهدوه
من خصب الأندلس ونعمائها، وطيب هوائها.
ومن ثم فإن الرواية تحدثنا
بصراحة عن " طمع يوسف في الجزيرة وتشوفه إلى مملكتها "، وتذكر لنا أنه قال
يوماً لبعض ثقاته؛ " كنت أظن أنى قد ملكت شيئاً، فلما رأيت تلك البلاد
(الأندلس) صغرت في عينى مملكتى " [٥] .
اجتمعت هذه البواعث كلها، لتحمل يوسف على فتح الأندلس، وهى
بواعث فوق وضوحها، تسجلها لنا الرواية جميعاً.
بيد أننا نستطيع أن نستشف
[١] ابن خلدون ج ٦ ص ١٨٧.
[٢] ابن خلدون ج ٦ ص ١٨٧.
[٣] روض القرطاس ص ٩٩، وابن خلكان ج ٢ ص ٤٩٠.
وراجع: R.
M.
Pidal:
ibid ; p.
٣٩٤
[٤] ابن خلدون ج ٦ ص ١٨٧ و ١٨٨، وأعمال الأعلام ص ٢٤٧.
[٥] المعجب ص ٧٤.
وراجع ابن خلكان ج ٢ ص ٤٠، وأعمال الأعلام ص ١٦٣، ونفح
الطيب ج ٢ ص ٥٣٣.