دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٧٨
بالتوجع لأحوال عصره.
قال: " قد استوفينا في شرح هذه الفادحة مصائب
جليلة، مؤذنة بوشك القلعة، طالما حذر أسلافنا لحاقها بما احتملوه عمن قبلهم
من آثاره.
ولا شك عند أولى الألباب، ما أخفيناه مما دهانا من داء
التقاطع، وقد أخذنا بالتواصل والألفة، فأصبحنا من استشعار ذلك والتمادى
عليه، على شفا جرف يؤدى إلى الهلكة لا محالة، إذ قدر الله زماننا هذا بالإضافة
إلى ما عهدنا في القرن الذى سلخه من آخر أمد الجماعة، على إدراك ما لحق الذى
قبله، فمثل دهرنا هذا - لا قدس - بهيم الشبه، ما إن يباهى بعرجه، فضلا عن نزوح
خيره، قد غربل ضمائرهم، فاحتوى عليهم الجهل، فليسوا في سبيل الرشد
بأتقياء، ولا على معالى الغى بأقوياء.
نشأ من الناس هامل يعللون أنفسهم بالباطل، من أول الدلائل على فرط جهلهم، اغترارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصية نبيهم، وغفلتهم عن سد ثغرهم، حتى أطل عدوهم الساعى
لإطفاء نورهم، يتبجح عراص دورهم، ويستقرى بسائط بقاعهم، يقطع كل
يوم طرفاً، ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكراهم، لهاة عن بثهم، ما إن يسمع عندنا بمسجد من مساجدنا أو محفل من محافلنا، مذكر
لهم أو داع، فضلا عن نافر إليهم أو ماش لهم، حتى كأنهم ليسوا منا، أو كأن
فتقهم ليس بمفض إلينا، قد بخلنا عليهم بالدعاء بخلنا بالقناء، عجائب فاتت
التقدير، وعرضت للتغيير، ولله عاقبة الأمور وإليه المصير " [١] .
ولما غادر الغزاة النورمان بربشتر بعد اقتحامها، والفتك بأهلها، والاحتواء
على أموالها، تركوا لحمايتها ألفاً وخمسمائة من الفرسان وألفين من الرجالة، وقيل بل تركوا ألف فارس وأربعة آلاف راجل، واستقدموا إليها كثيراً من
أهلهم وأقاربهم ومواطنيهم، وساروا عائدين إلى بلادهم، وفي ركبهم ألوف
من سبى المسلمين نساء ورجالا، ومقادير هائلة من الأموال والغنائم المختلفة.
بيد أنه لم تمض أشهر قلائل حتى وقعت المعجزة.
وكان صدى النكبة قد نفذ
[١] نقلنا هذه الفقرة وما قبلها من أقوال ابن حيان وتفاصيل نكبة بربشتر، عن الذخيرة
القسم الثالث المخطوط لوحات ٣٤ ب إلى ٣٦ ب.
وراجع في ذلك أيضاً البيان المغرب ومعظمه
أيضاً من أقوال ابن حيان السالفة الذكر ج ٣ عى ٢٢٥ و ٢٢٦، وأعمال الأعلام ص ١٧١.
وكذلك
Dozy: Histoire V.
III.
p.
٧٨ & ٧٩ - Recherches ; ٣eme Ed.
V.
II.
p.
٣٣٥ - ٣٥٣
وهو يترجم أيضاً رواية ابن حيان المشار إليها.