دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٠٧
إمارة نصرانية أخرى، هى إمارة أوكونتية برشلونة.
ونحن نعرف أن برشلونة
كانت أول ثغر عظيم يفقده المسلمون في شمالى شبه الجزيرة، وقد افتتحها شارلمان
(كارل الأكبر) في سنة ١٨٥ هـ (٨٠١ م) أيام الحكم بن هشام، وجعلها قاعدة
الثغر القوطى أو الثغر الإسبانى، الذى أنشأه فيما وراء البرنيه، حماية لحدود فرنسا
الجنوبية.
وكان ملوك الفرنج يعينون حكام هذا الثغر في البداية من الأشراف
أو الكونتات الذين ينتمون إلى أصل قوطى أو فرنجى.
ولما ضعفت مملكة الفرنج
وتخلت عن حماية الثغر وإمداده، وشعر أولئك الكونتات بقوتهم، ونأيهم عن
الحكومة المركزية، أعلنوا استقلالهم، وانقسم الثغر إلى عدة إمارات أوكونتيات
صغيرة كان أهمها إمارة برشلونة.
وكان يحكمها في أواخر القرن العاشر آل بوريل، وفى عهدهم غزاها المنصور بن أبي عامر، واقتحمها وخربها، وذلك في سنة ٣٧٥ هـ
(٩٨٥ م) ، ولكنه لم يحاول الاحتفاظ بها.
ولما سقطت الدولة العامرية واضطرمت
الفتنة في قرطبة، سعى واضح الصقلبى في الاستعانة بأمير برشلونة الكونت
رامون بوريل، وزميله كونت أرقلة، فسار معه لمقاتلة البربر لقاء أموال جزيلة، واشترك إلى جانب المهدى محمد بن هشام في المعارك التي وقعت يومئذ (٤٠٠ هـ -
١٠١٠ م) .
ومنذ أوائل القرن الحادى عشر نرى برشلونة تحت حكم آل برنجير، وقد حكمها مؤسس هذه الأسرة الكونت رامون برنجير الكبير من سنة ١٠٣٥
إلى سنة ١٠٧٦ م، وفي عهده اتسعت رقعة الإمارة، وضمت إليها أرقلة
وشرطانية [١] ، ثم ضم إليها ولاية قرقشونة الفرنجية، في الناحية الأخرى من جبال
البرنيه، وذلك بشرائها من ابنتى صاحبها الكونت روجر الثالت.
وكان لضم هذا
الجزء من أراضي لانجدوك إلى إمارة برشلونة نتيجة هامة، هى إعادة الصلة
بين الثغر القوطى القديم، وجنوب فرنسا، والتمهيد بذلك لنزوح الفرسان الفرنج
المغامرين، الذين تحدوهم روح صليبية، ويحدوهم البحث وراء طالعهم، والتحاق جموع كبيرة منهم بالجيوش النصرانية التي تقاتل المسلمين في شبه الجزيرة.
وكان من أهم أعمال الكونت برنجير الأول، هى إصلاحاته القضائية، فقد
استدعى في سنة ١٠٦٨ م جمعية من الكبراء في برشلونة، وأصدر هذا البرلمان
قانوناً جديداً سمى " بعرف برشلونة " Usages de Barcelona ليطبق إلى جانب
القانون القوطى القديم.
[١] أرقلة هى بالإسبانية Urgel، وشرطانية هى: Cerdana