دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٣٧
وكان من أشهر أعمال القاضى ابن عباد في تلك الفترة، إعلاته لظهور هشام
ْالمؤيد، وإقامته خليفة بإشبيلية، وكان يحيى بن حمود الملقب بالمعتلى، قد استقر
في مالقة حسبما أسلفنا، وجعلها مقر ملكه، وبسط حكمه على معظم قواعد
الأندلس الغربية الجنوبية.
وكان يخشى مشاريع ابن عباد، ويرى فيه خصمه
الحقيقى.
فلما توثقت عرى التحالف بين البرزالى صاحب قرمونة وابن عباد، أخذ يتوجس شراً، ومن ثم فقد انتهز أول فرصة، وسار إلى قَرْمونة، وانتزعها
من يد صاحبها محمد بن عبد الله البرزالى، فلجأ محمد إلى إشبيلية واستغاث بحليفه
ابن عباد.
ولما شعر ابن عباد بخطورة الموقف، وأخذ يحيى المعتلى يرهقه بغاراته
المتوالية على أراضي إشبيلية، ويردد النذير بوجوب استردادها باعتبارها من
أملاك الحمّوديين، أعلن ذات يوم أن هشاماً المؤيد قد ظهر، وأنه كان مختفياً
ولم يمت (أواخر ٤٢٦ هـ - ١٠٣٥ م) ، وذلك لكى يدحض دعوى الحموديين
في الخلافة بظهور الخليفة الشرعى.
وقد ساقت إلينا التواريخ المعاصرة تفاصيل
هذه القصة أو بالحرى هذه الأسطورة.
ونحن نعرف مما تقدم أن سليمان المستعين
حينما دخل قصر قرطبة في أواخر سنة ٤٠٣ هـ، قبض على هشام المؤيد وأخفاه.
وأن الرواية تختلف بعد ذلك في مصيره، فيقال إنه قتل بعد ذلك بيد محمد بن
سليمان، ويقال من جهة أخرى، إنه فر من محبسه، وعاش حيناً في ألمرية حتى
توفى.
وعلى أى حال فقد استمر هذا الغموض الذى يحيط بمصير هشام مدة
طويلة، ومختلف الروايات والقصص تنسج من حوله، يذيعها بنو عمه المروانية، وفتيان القصر وجواريه السابقين، ومؤداها أن هشاماً لم يمت، وأنه مختف وسوف
يظهر في الوقت المناسب.
وعلى أساس هذه الروايات، أظهر ابن عباد شخصاً
زعم أنه هشام المؤيد، وجمع حوله نفراً من خدم القصر السابقين، فأيدوا روايته
وشهدوا بصدق زعمه، ويقال إن هذا الشخص كان بالفعل يشبه هشاماً شبهاً
كبيراً.
وكان هذا الرجل يعمل مؤذناً بمسجد في قرية من قرى إشبيلية، فاستقبل
عند خروجه من المسجد، وألبس الثياب الخلافية، وقبل ابن عباد وولده وصحبه
الأرض بين يديه، وخوطب بألقاب الخلافة، ثم أخذ إلى القصر، حيث أقبل
الناس أفواجاً لبيعته، وهو يخاطبهم من وراء حجاب، ويخبرهم بأنه قد عهد
بحجابته إلى إسماعيل بن عباد.
ويقول لنا ابن القطان إن هذا الدعى كان يسمى
خلف الحصرى، وإنه كان يشبه هشاماً، وإنه حينما أتى به إلى إشبيلية، نودى فى