دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٣٣٩
من قرار يوسف باعثاً آخر، لم تفطن إليه الرواية الإسلامية، ولعله من
البواعث الهامة، في مشروع عاهل المرابطين، وهو العامل الدفاعى والاستراتيجى.
ذلك أن يوسف أدرك لأول وهلة، أن دول الطوائف الضعيفة المتخاذلة، لا تستطيع في ظل أمرائها المترفين الخانعين دفاعاً عن نفسها، وأنه إن تخلى عنها، فسوف تسقط حتماً في يد ملك قشتالة القوى.
ولم تغب عن يوسف، وهو
ذلك الجندى العظيم، أهمية الصلة الدفاعية والاستراتيجية الوثيقة، التي تربط بين
ضفتى العدوة والأندلس، المتقابلتين على طرفى المضيق، ولم يفته أن يدرك أن
سقوط الأندلس، في أيدى النصارى، معناه سقوط جناح المغرب الدفاعى من
الشمال، ومعناه تهديد اسبانيا النصرانية لسلامة المغرب، متى اجنمعت قواها، وتوفرت لديها وسائل العدوان، ومن ثم فقد قرر أن يبادر إلى احتلال رقعة
الوطن الأندلسي، لينقذ الأندلس من هذا الخطر الداهم، وليدعمها ويضاعف
أهباتها الدفاعية، ويمكنها من تأدية مهمتها الاستراتيجية في رد عادية العدوان، لا عن نفسها فقط، ولكن عن المغرب أيضاً، ولم ينس أمير المسلمين في ذلك، أن ملك قشتالة استطاع عقب استيلائه على طليطلة، أن يجتاج أراضي الأندلس
الوسطى كلها، منذ نهر التاجه جنوباً حتى أرض الفرنتيرة، وأن يصل إلى ثغر
طريف قبالة العدوة.
دون أن يقف في سبيله أحد من ملوك الطوائف، وكان
في ذلك من بوادر الخطر على أرض العدوة القريبة ما فيه.
- ٣ -
عبر أمير المسلمين إلى شبه الجزيرة للمرة الثالثة في أوائل سنة ٤٨٣ هـ، حسبما
قدمنا.
وكان أبلغ ما أهمه عندئذ ما تواتر إليه من أخبار عن الاتفاقات السرية
التي يعقدها المعتمد بن عباد، والمتوكل بن الأفطس، وعبد الله ابن بلقين، مع ألفونسو السادس ملك قشتالة للتعاون في رد المرابطين.
واتسمت حملة يوسف
في البداية بطابع الجهاد، حيث سار تواً إلى طليطلة، واجتاح في طريقه أراضي
قشتالة.
ولم يتقدم أحد من أمراء الطوائف يومئذ لمعاونته أو السير معه.
وربما
كان يوسف يرجو أن يسترد طليطلة، فيشفى بذلك جرح الأندلس الدامى، ويكتسب عطف أهل الأندلس جميعاً.
وعاث المرابطون في أحواز طليطلة وخربوا
ضياعها، وانتسفوا زروعها، ثم ضربوا الحصار حول العاصمة القوطية القديمة