دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٣٥
وكان متهماً في المؤامرة التي دبرها ضده ولده اسماعيل، ففر من إشبيلية، والتجأ إلى باديس وخدمه وحظى عنده، وعهد إليه ببعض المهام الخطيرة.
ثم
وقع التنافس بينه وبين يوسف، وكان الناية يحرض على قتله، ويفضى إلى الأمير
بذلك كلما سنحت الفرص.
وشعر يوسف بتغير الأمير عليه، وبأن منزلته أخذت
في الضعف، ففكر في التفاهم مع أبي يحيى بن صمادح صاحب ألمرية، واستدعائه
للاستيلاء على غرناطة.
وكانت تربط ابن صمادح وباديس علائق مودة قديمة، إذ كان باديس قد وقف إلى جانبه حينما أراد ابن أبي عامر محاربته واسترداد ألمرية
منه، ومهد يوسف لمشروعه بأن عمل على تعيين زعماء صِنهاجة، الذين يخشى
بأسهم، في الأعمال البعيدة، واستطاع ابن صمادح بالفعل أن ينتزع وادي آش، الواقعة شمال شرقى غرناطة، وأن يشحنها برجاله، ومضى يوسف في مفاوضته
وهو محجم متهيب من تنفيذ المشروع.
كل ذلك وباديس غارق في لهوه، منكب
على لذاته [١] ، وخصوم يوسف من صنهاجة، وسائر أهل غرناطة، يضطرمون
سخطاً على الطاغية اليهودى، ويترقبون الفرص لإسقاطه.
ولقى سخط الشعب
الغرناطى على اليهود في تلك الآونة، متنفسه في الشعر، ونظم الفقيه الورع الزاهد
أبو إسحاق الإلبيرى [٢] قصيدته الشهيرة في التحريض على سحق اليهود، والتخلص من طغيانهم، وإليك بعض ما ورد في تلك القصيدة التي ذاعت يومئذ
ذيوع النار في الهشيم، وألهبت مشاعر الشعب الغرناطى، وكانت كالشرارة التي
أضرمت الحريق، وأثارت الانفجار:
ألا قل لصنهاجة أجمعين..
.
بدور الزمان وأسد العرين
لقد زل سيدكم زلة..
.
تقرب بها أعين الشامتين
تخير كاتبه كافراً..
.
ولو شاء كان من المؤمنين
فعز اليهود به وانتخوا..
.
وتاهوا وكانوا من الأرذلين
[١] راجع كتاب التبيان ص ٤٦ و ٤٧ و ٥٠ - ٥٣.
[٢] هو أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود بن سعيد التجيبى الإلبيرى.
كان فقيهاً ومحدثاً وأديباً
وشاعراً.
سعى به الوزير يوسف بن نغرالة لأمور نقمها منه لدى سلطانه باديس، فأبعده عن غرناطة
فسكن إلبيرة القريبة منها، وانقطع إلى العبادة والزهد.
ولكنه لبث يحرض صنهاجة على اليهود
في شعره ووعظه، حتى وقع الانفجار، وتم الفتك بهم.
وتوفى الإلبيرى في أواخر سنة ٤٥٩، بعد أن شهد آثار تحريضه في بطش صنهاجة باليهود.