دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٩٧
مع ذلك سعيد الجد، تنقاد إليه دنياه، وتصحبه سعادته، فينال صعاب الأمور
بأهون سعيه، وهو كان فرط الملوك في إيثار الفرقة، فاقتدى به من بعده، وأموا في الخلافة نهجه، فصار جرثومة النفاق، ومنه تفجر ينبوع الفتن والمحن "
وهكذا كان مؤسس مملكة بني ذى النون [١] .
وكانت طليطلة حينما اضطرمت الفتنة، وانهار سلطان الحكومة المركزية، قد
قام بالأمر فيها وضبطها قاضيها أبو بكر يعيش بن محمد بن يعيش الأسدى.
بيد
أنه يبدو أنه لم يكن منفرداً بالرياسة، وأنه كان يحكم معه جماعة من الرؤساء على
نحو ما كانت الجماعة في بدايتها بقرطبة، وكان من هؤلاء ابن مسرّة، وعبد الرحمن
ابن متيوه.
ثم وقع الخلاف بين الجماعة، وعزل القاضى ابن يعيش، وسار
إلى قلعة أيوب وتوفى بها في سنة ٤١٨ هـ [٢] .
ولما توفى عبد الرحمن بن متيوه، خلفه في الحكم ولده عبد الملك، وأساء السيرة، واضطربت الأمور، فرأى
أهل طليطلة أن يتخلصوا من أولئك الزعماء جملة، وبعثوا رسلهم إلى عبد الرحمن
ابن ذى النون في شنتبرية يستدعونه لتولى الرياسة، فوجه إليهم ولده إسماعيل، وكان ذلك في سنة ٤٢٧ هـ (١٠٣٦ م) .
وهكذا تولى إسماعيل بن ذى النون حكم طليطلة وأعمالها، وتلقب بالظافر
وامتدت رياسته شرقاً حتى قونقة وجنجالة، واعتمد في تدبير الأمور على كبير
الجماعة بطليطلة أبي بكر بن الحديدى، وكان عالماً وافر العقل والدهاء، يحظى
بتأييد الكثرة الغالبة من أهل المدينة، فكان إسماعيل لا يقطع أمراً دون رأيه ومشورته.
ولم يطل أمد اسماعيل في الملك أكثر من بضعة أعوام، إذ توفى في سنة ٤٣٥ هـ
(١٠٤٣ م) .
وفى عهده ذاعت قصة ظهور هشام المؤيد، وكان هشام المزعوم
هذا بقلعة رباح من أعمال مملكته، فأخرج منها وأخذ إلى إشبيلية، حيث أظهره القاضى ابن عباد، وأخذ له البيعة وأعلن خلافته، حسبما
ذكرنا ذلك في موضعه.
فخلفه ولده يحيى بن إسماعيل، وتلقب بالمأمون، وسار على سنة أبيه فى
[١] راجع في أصل بني ذى النون ونشأتهم: الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص ١١٠
و١١١، وأعمال الأعلام ص ١٧٦ و ١٧٧، وابن خلدون ج ٤ ص ١٦١.
[٢] ابن بشكوال في الصلة رقم ١٥٢٠.