دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٩١
ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويلدد بجنوده الوافرة، وأحواله المتظافرة، ولو علم أن لله جنوداً أعز بهم الإسلام، وأظهر بهم دين نبينا محمد عليه السلام
أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون..
.
أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم، فبالذنوب المركوبة، ولو اتفقت
كلمتنا مع سائرنا من الأملاك، علمت أى مصاب أذقناك، كما كانت آباؤك
تتجرعه، فلم نزل نذيقها من الحمام ضروب الآلام شؤماً تراه وتسمعه، وإذا المال
تتورعه.
وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك، أهدى ابنته إليه مع الذخائر
التي كانت تفد كل عام عليه، وأما نحن إن قلت أعدادنا، وعدم من المخلوقين
استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه، ولا صعب نروضه، إلا السيوف تشهد
بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في ليلك ويومك، وبالله تعالى وملائكته
المسومين، فنقوى عليك ونستعين..
.
وما تتربصون بنا إحدي الحسنيين، نصر
عليكم فيالها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل الله، فيالها من جنة، وفي الله
العوض مما به هددت، وفرج يفتر بما مددت، ويقطع بك فيما أعددت " [١] .
وندب المتوكل قاضيه العلامة والفقيه الأجل، أبا الوليد الباجى، ليطوف
بحواضر الأندلس، ويتصل بالرؤساء، ويدعوهم إلى لم الشعث، وتوحيد الكلمة
ومدافعة العدو، فقام بالمهمة، واتصل بسائر الرؤساء، ولم يدخر وسعاً في نصحهم
ووعظهم [٢] .
ومع ذلك فان المتوكل لم يجد من زملائه المسلمين من يستنصر به، وقد روعهم
جميعاً ما حل في طليطلة، وكان ملك قشتالة قد استولى منذ سنة ١٠٨٠ م (٤٧٣ هـ)
علي مدينة قورية وقلاعها، وهى من أطراف مملكة بطليوس الشمالية وحصنها على
ْنهر التاجه، وأضحى السبيل بذلك أمامه ممهداً لكى يجتاح أراضيها بسهولة.
وكان
المعتمد بن عباد قد تلقى منه مثل المطالب والنذر التي تلقاها المتوكل، ورد عليه بمثل
رد المتوكل أو أشد.
وكان أن تطورت الحوادث بسرعة، واعتبر ملوك
الطوائف بالخطب الداهم، وانتهى بهم الأمر إلى ذلك القرار الخطير، الذى شاء
القدر أن يكون نقطة تحول في حياة الأندلس وفي تاريخها، ونعنى استدعاء
المرابطين.
[١] تراجع هذه الرسالة في الحلل الموشية: (تونس ١٣٢٩ هـ) ص ٢٠ - ٢٢.
[٢] ابن الأبار في الحلة السيراء (القاهرة) ج ٢ ص ٩٨.