دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٨٩
وحسبك أن تعلم أنه كان من بين وزراء المتوكل، الكاتب والشاعر الكبير
أبو محمد عبد المجيد بن عبدون "عظيم ملكهم، ونظيم سلكهم" حسبما يصفه صاحب
القلائد، وصاحب مرثيتهم الرائعة التي نشير إليها فيما بعد، وهو من أبناء مدينة
يابرة، وبنو القبطرنة وهم الشاعر المبدع أبو بكر بن عبد العزيز البطليوسى، وأخواه أبو محمد وأبو الحسن، وكلاهما أيضاً شاعر رائق النظم.
وفى عهد المتوكل على الله تمتعت مملكة بطليوس بفترة من السلام والأمن
والرخاء، وسطع بلاطها في ظل أميرها الحكيم العالم.
والواقع أن مملكة بطليوس كانت
بالرغم مما نزل بها من الأحداث والخطوب، في عهد المظفر بن الأفطس، تتفوق
من حيث انتظام الأحوال وسيادة الأمن والرخاء، على كثير من دول الطوائف
الأخرى.
وفى ذلك يقول المؤرخ " وكانت أيام بني المظفر (يقصد بني الأفطس)
بمغرب الأندلس أعياداً ومواسم، وكانوا ملجأ لأهل الأدب، خلدت فيهم، ولهم
قصائد شادت مآثرهم، وأبقت على غابر الدهر حميد ذكرهم " [١] .
وكان معاونه في الحكم الوزير ابن الحضرمى، قد أساء السيرة، وتجبر وطغى
وتعسف في معاملة الناس فأقاله، وأبعده عن خدمته.
فكتب إليه الوزير يستعطفه
فراجعه المتوكل بخطاب جاء فيه: " ياسيدى وأكرم عددى، الشاكى ما جنته
يده لا يدى، ومن أسأل الله التوفيق في ذاته إذ حرمه في ذاتى..
.
نعم فإنى رأيت
الأمر قد ضاع، والإهمال قد انتشر وذاع، فأشفقت من التلف، وعدلت إلى
ما يعقب إن شاء الله الخلف، وأقبلت استدفع من مواقع أنسى، وأشاهد
ما ضيعته بنفسى، فم أر إلا لججاً قد توسطتها، وغمرات قد تورطتها، فشمرت
عن الساق للجتها، وخدمت النفس بمهجتها، حتى خضت البحر الذى أدخلنى فيه
رأيك، ووطئت الساحل الذى كان يبعدنى عنه سعيك..
..
وقد أطمعت في العدو
لبست لأهل دهرى الاستكبار والعتو، واستهنت بجيرانك، وتوهمت أن المروءة
في التزام زهوك، وتعظيم شأنك، حتى أخرجت النفوس على وعليك، فانجذب
مكروه ذلك إليك، ومع ذلك فليس لك عندى إلا حفظ الحاشية وإكرام
الغاشية " [٢] .
ووقعت أيام المتوكل في جارته مملكة طليطلة أحداث كان لها صدى في مملكته.
[١] المراكشى في المعجب ص ٤٢.
[٢] قلائد العقيان ص ٤١.