دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٨٧
بين نهرى دويرة ومنيو (منديجو) وذلك تنفيذاً لخطته في إجلاء المسلمين عن
الأراضي المتاخمة لمملكته شيئاً فشيئاً.
ولما سقطت قلمرية في يد العدو، قصد واليها السابق راندة إلى بطليوس، وكان قد لجأ إلى المعسكر النصرانى، ثم غادره طمعاً في عفو سيده، فاستقبله ابن
الأفطس بجفاء وأنبه على شنيع مسلكه، ثم أمر بضرب عنقه جزاء خيانته [١] .
هذا وسوف نعود إلى تفصيل حوادث سقوط قلمرية في أخبار فرناندو
ملك قشتالة.
وهدأ ضغط النصارى على أراضي ابن الأفطس بوفاة فرناندو ملك قشتالة
بعد ذلك بنحو عامين في سنة ١٠٦٥ م.
ووقعت بين أبنائه الثلاثة حرب استمرت
بضعة أعوام، شغل خلالها النصارى عن عدوانهم على أراضي المسلمين.
ولما خلص
عرش قشتالة وليون بعد ذلك إلى ولده ألفونسو، تحولت دفة هذا العدوان إلى
مملكتى طليطلة، وإشبيلية، حسبما نفصل بعد.
وتوفى المظفر بن الأفطس في سنة ٤٦١ هـ (١٠٦٨ م) ، فخلفه ولده يحيى
الملقب بالمنصور.
ولابد لنا قبل أن نترك الكلام على المظفر بن الأفطس، أن نذكر ذلك الجانب
اللامع الوضاء في حياته، ونعنى الناحية الفكرية.
فقد كان المظفر من أعلم أهل
عصره، وكان شغوفاً بالشعر والأدب، وكان ينكر الشعر على قائله في زمانه، ويقول: " من لم يكن شعره مثل شعر المتنبي أو المعرى فليسكت "، ولا يرضى
بدون ذلك.
وقد اشتهر في عالم الأدب بكتابه الضخم الموسوم "بالمظفرى" نسبة
إلى اسمه، وهو موسوعة أدبية وتاريخية عظيمة تحتوى على كثير من الأخبار والسير
والنبذ المختارة، والطرائف المستملحة، والغرائب الملوكية، والنوادر اللغوية.
وأنفق
المظفر في تصنيفه أعواماً، وانتفع في تصنيفه بسائر ما تحتويه خزائنه الزاخرة
بنفائس الكتب، ولم يستعن في وضعه إلا بكاتبه أبي عثمان سعيد بن خيره.
وقيل
إن "المظفرى" كان يحتوى على خمسين مجلداً، وقيل بل على عشرة أجزاء ضخمة
وقد لبث هذا المصنف الكبير عصوراً، معروفاً متداولا، تذكره التواريخ
[١] راجع في سقوط قلمريه وما تقدمه من حوادث: البيان المغرب ج ٣ ص ٢٣٨ و ٢٣٩، وأعمال الأعلام ص ١٨٤، ودوزى في Hist.
des Musulmans d'Espagne, V.
III.
p.
٦٧ - ٧٧