دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٤٣
والخلاصة أن دول الطوائف تقدم إلينا ذلك المزيج المدهش من الضعف
والقوة، ضعف البناء السياسى والعسكرى، وقوة التراث المادى والحضارى، ومن الانحلال الاجتماعى الشامل، والتقدم الفكرى اللامع.
وقد كان أبرز
ما في ذلك المزيج المتناقض، ضعف الروح الدينية والوطنية، بصورة لم تعرفها
الأمة الأندلسية في تاريخها من قبل قط، بل ولم تعرفها فيما بعد، حتى في أسوأ
عصور الفتنة، والتفكك السياسى والعسكرى، التي كان يقابلها من الناحية
الأخرى فترات قوة وتفوق من جانب الممالك الإسبانية النصرانية.
ولكن الأندلس
لم تبد قط في أية فترة من هذه الفترات تجاه اسبانيا النصرانية، مثل ما أبدته أيام
الطوائف من التخاذل والاستسلام، ومن ضعف العقيدة الدينية والوطنية، ومن إهدار لمقتضيات الكرامة القومية، فعصر الطوائف وحده هو الذى يقدم
إلينا تلك الخواص المؤلمة، التي تتناقض في مجموعها وفي تفاصيلها، مع طبيعة
الأمة الأندلسية، ومع ما اتصفت به طوال تاريخها، من الشجاعة والشهامة
والإباء، والتفانى في الذود عن الدين والوطن.
وفى وسعنا أن نلمح في تاريخ الإمارات والجمهوريات الإيطالية في عصر
الإحياء، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كثيراً من آثار تلك الخواص
التي غلبت على عصر الطوائف بالأندلس.
فهنالك الأمراء الطغاة، والحروب
الأهلية الطاحنة، تمزق وحدتها وتفرق كلمتها.
وهنالك استعداء العدو الخارجى
كل منها على الأخرى، ثم التخاذل في الدفاع عن الوطن.
وهنالك الانحلال
الدينى والأخلاقى والاجتماعى الشامل.
ونجد إلى جانب ذلك كله نهضة علمية
وأدبية.
وفنية زاهرة، من أروع ما عرفته إيطاليا في تاريخها، يرعاها الأمراء
الطغاة، ويمدونها بالبذل الوفير.
وهنالك أخيراً تجارة وصناعات رائجة.
ورخاء
شامل، وحياة كلها متعة واستهتار.
ولا ريب أن هذا التماثل في الخواص بين
العصرين، يرجع إلى حد كبير، إلى التماثل بين ما كان يجوزه كل منهما من
الظروف السياسية والاجتماعية.