دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٣٣
وكان ابن حزم بالأخص داعية من أشد دعاة المذهب الظاهرى، وقد غلبت
هذه النزعة على سائر بحوثه الفقهية والكلامية، واعتبر حجة هذا المذهب وإمامه
في عصره.
وكان يتشدد كل التشدد في تطبيقه على العقائد، والأحكام، وهو
لا يأخذ في تفسير الأحكام إلا بالكلمة المكتوبة، والحديث الثابت، ويعتبرهما
حاسمين، في صوغ الأحكام.
وقد اشتهر باعتناقه لهذا المذهب حتى أن أنصاره
سموا فيما بعد " بالحزمية " نسبة إليه.
وقضى ابن حزم حياة فكرية عميقة خصبة.
وأثار في الوقت نفسه، بآرائه ونظرياته الأصولية والدينية من حوله خصومات
كثيرة، واتهمه البعض بالمروق والزندقة، وأحرقت كتبه في إشبيلية بأمر المعتضد
ابن عباد [١] .
ونزح في أواخر حياته إلى دار أسرته بقرية منت ليشم من أعمال
لبلة، وهنالك توفى في شعبان سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) [٢] .
وكان من أقران ابن حزم الذين طرقوا مثل ميدانه في التفكير الدينى والشرعى، العلامة أبو الوليد الباجى، وهو سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب التجيبى الباجى
الحافظ.
ولد بمدينة بطليوس غربى الأندلس سنة ٤٠٣ هـ ودرس في قرطبة، ثم
سافر إلى المشرق ودرس حيناً بمكة ثم في بغداد، ولما عاد إلى الأندلس عاش
حيناً في بلاط ميورقة، وحيناً آخر في كنف المقتدر بن هود، واشتهر بردوده على
ابن حزم، وكان قرينه في غزارة العلم وسعة المعرفة.
وقد وصف بأنه من أئمة
المسلمين.
وتوفى في سنة ٤٧٤ هـ (١٠٨١ م) .
ومن شعره:
إذا كنت أعلم علماً يقيناً..
.
بأن جميع حياتى كساعة
فلم لا أكون ضنيناً بها..
.
وأجعلها في صلاح وطاعة [٣]
ونبغ إلى جانب ابن حزم عالم ومفكر جبار آخر، هو العلامة اللغوى الأعمى
أبو الحسن على بن سيده، المتوفى في سنة ٤٥٨ هـ (١٠٦٦ م) .
وكان آية في الحفظ
[١] ترجمته في جذوة المقتبس ص ٢٩٠ - ٢٩٣، وفي وفيات الأعيان ج ١ ص ٤٢٨ - ٤٣١.
[٢] في شهر مايو (من ١٢ - ١٨ منه سنة ١٩٦٣) نظم بمدينة قرطبة مهرجان رسمى فخم
للاحتفال بذكرى مرور تسعمائة عام على وفاة العلامة ابن حزم " القرطبى " وأقامت له بلدية قرطبة
تمثالا بالحجم الطبيعى أمام باب إشبيلية على مقربة من الجامع.
وأقيمت كذلك لوحة تذكارية لابن حزم
بالإسبانية، أمام مدخل كنيسة سان لورنتسو التي أقيمت مكان الجامع الذى كان يتوسط بلاط مغيث
وهو الحى الذى عاش فيه ابن حزم.
ونظمت بهذه المناسبة عدة ندوات دراسية، وطائفة من الحفلات
الفخمة.
وقد كان مؤلف هذا الكتاب من شهود هذا المهرجان التاريخى العظيم.
[٣] ترجمته في الصلة رقم ٤٥٣.