دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٣٨
الناس، أن اشكروا الله على ما أنعم عليكم به، فهذا مولاكم أمير المؤمنين هشام
قد صرفه الله عليكم، وجعل الخلافة ببلدكم لمكانه فيكم، ونقلها من قرطبة إليكم، فاشكروا الله على ذلك [١] .
وذاعت قصة ظهور هشام في سائر الأنحاء، وبعث ابن عباد بكتبه إلى سائر
قواعد الأندلس، يطلب من رؤسائها الاعتراف والبيعة لهشام المؤيد.
فلم يعترف
بها سوى بعض الفتيان العامريين السابقين، واعترف بها الوزير أبو الحزم بن جهور
لنفس البواعث، التي حملت ابن عباد على اختراعها، وهو العمل على دفع دعاوى
الحموديين ومطامعهم حسبما سبقت الإشارة إليه.
ويندد الفيلسوف ابن حزم بقصة هذا الخليفة المزعوم، ويصفها بأنها "أخلوقة
لم يقع في الدهر مثلها".
ثم يقول إنها لفضيحة لم يقع في العالم إلى يومنا مثلها، أن
يقوم أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، كلهم يتسمى بإمرة أمير المؤمنين، ويخطب لهم في زمن واحد، وهم: خلف الحصرى بإشبيلية على أنه هشام بن الحكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة، ومحمد بن إدريس بن على بن حمود بمالقة، وإدريس بن يحيى بن حمود بببشتر [٢] .
وعلى إثر ذلك استعد ابن عباد لاسترداد قَرْمونة من يد يحيى المعتلى، فسير
بعض قواته مع ولده إسماعيل، ومعها طائفة من البربر المتحالفين معه.
فطوق
قسم منها المدينة ليلا، وكمن القسم الثاني في أماكن مستترة.
وكان يحيى المعتلى داخل
المدينة، وهو عاكف على لهوه وشرابه، فلما وقف على الخبر.
خرج مع قواته
وهو ثمل، واشتبك مع المهاجمين في معركة حامية، وعندئذ ظهرت قوات ابن
عباد من مكمنها وأطبقت عليه، فمزقت قواته وقتل خلال المعركة، واحتز رأسه
وحمل إلى القاضى ابن عباد (المحرم سنة ٤٢٧ هـ) ورد ابن عباد قرمونة إلى صاحبها
السابق، حليفه محمد بن عبد الله البرزالى.
بيد أنه لم تمض على ذلك أعوام قلائل حنى ساء التفاهم بين ابن عباد والبرزالى.
وكان ابن عباد يرى أن قرمونة، وهى حصن إشبيلية من الشرق يجب أن تكون
في حوزته، فسير ولده إسماعيل في حملة قوية إلى قرمونة فاستولى عليها.
ثم استولى
بعد ذلك على مدينة إستجة الواقعة في شرقها وكذلك على مدينة أشونة الواقعة
[١] البيان المغرب ج ٣ ص ١٩٩ و ٢٠٠، وأعمال الأعلام ص ١٥٤.
[٢] نقط العروس لابن حزم (المنشور بمجلة كلية الآداب ديسمبر ١٩٥١) ص ٨٣ و ٨٤.