دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٣٥٩
وأذكت المحنة شاعرية المعتمد، وكان القريض عندئذ عزاءه وغذاءه الروحى، فصدرت عنه في معتقله طائفة كبيرة من القصائد المؤسية، وكلها تلهف على
سابق مجده، وبكاء على ماضيه، ورثاء لمحنته، فمن ذلك قوله:
أنباء أسرك قد طبقن آفاقا..
.
بل قد عممن جهات الأرض إطلاقا
سارت من الغرب لا تطوى لها قدم..
.
حتى أتت شرقها تنعاك إشراقا
فأحرق الفجع أكباداً وأفئدة..
.
وأغرق الدمع آماقاً وأحداقا
قد ضاق صدر المعالى إذ نعيت لها..
.
وقيل إن عليك القيد قد ضاقا
وقوله:
غريب بأرض المغربين أسير..
.
سيبكى عليه منبر وسرير
وتندبه البيض الصوارم والقنا..
.
وينهل دمع بينهن غزير
مضى زمن والملك مستأنس به..
.
وأصبح منه اليوم وهو نفور
برأى من الدهر المضلل فاسد..
.
متى صلحت للمصلحين دهور
أذل بني ماء السماء زمانهم..
.
وذل بني ماء السماء كبير
فياليت شعرى هل أبيتن ليلة..
.
أمامى وخلفى روضة وغدير
بمنيته الزيتون مورثة العلا..
.
يغنى حمام أو تدن طيور
بزاهرها [١] السامى الذرى جاده الحيـ..
.
ـا تشير الثريا نحونا ونشير
ويلحظنا الزاهى (٢) وسعد سعوده..
.
غفورين والصب المحب غيور
تراه عسيراً أو يسيراً مناله..
.
ألا كل ما شاء الإله يسير
وقوله في أول عيد له بأغمات، وقد أبكاه منظر أولاده وبناته:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا..
.
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة..
.
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة..
.
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية..
.
كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
أفطرت في العيد لا عادت إساءته..
.
فكان فطرك للأكباد تفطيرا
قد كان دهرك أن تأمره ممتثلا..
.
فردك الدهر منهياً ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به..
.
فإنما بات بالأحلام مغرورا
[١] الزاهر والزاهى من قصور بني عباد بإشبيلية.