دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٩٤
وقد كانت سرقسطة في عهد بني هود، كما كانت إشبيلية في عهد بني عباد،
مركزاً لحركة علمية وأدبية زاهرة، وكان بنو هود من حماة العلوم والآداب،
وقد نبغ بعضهم في ميدان التفكير، ولاسيما أبو جعفر المقتدر، وولده يوسف
المؤتمن، وقد كان كلاهما من أكابر علماء عصره، في الفلسفة والرياضة والفلك،
حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل.
وقد اشتهرت سرقسطة في هذا العصر بنوع
خاص، أعنى في القرن الحادى عشر الميلادى بالدراسات الفلسفية والرياضية.
وكان من أعلام أبنائها في هذا العصر، فيلسوف من أعظم فلاسفة الإسلام وعلمائه،
هو أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ المعروف بابن باجة، والذى يعرف في الغرب
باسمه اللاتينى Avempace.
وقد نشأ ابن باجة في أواخر القرن الحادى عشر
بسرقسطة ودرس بها، وعاش فيها حتى مطلع شبابه قبل أن تسقط في أيدى الإسبان
ونبغ في الرياضة والفلك والطبيعة والفلسفة، هذا فضلا عن براعته في الشعر والأدب.
ولما ولى الأمير أبو بكر بن إبراهيم اللمتونى حكم سرقسطة من قبل المرابطين،
ندب ابن باجة لوزارته، واختص به، وأغدق عليه عطفه ورعايته، بالرغم
مما كان يرمى به الفيلسوف من الميول والآراء الإلحادية.
ولما سقطت سرقسطة
في أيدى الإسبان (١١١٨ م) غادرها ابن باجة إلى إشبيلية، ثم إلى شاطبة، ثم
نزح من الأندلس إلى المغرب، وعاش هناك حتى توفى في سنة ١١٣٨ م.
وقد
كتب ابن باجة زهاء خمسة وعشرين كتاباً لم يصلنا منها سوى القليل، وترك لنا
عدداً من القصائد الرصينة الجزلة التي تنم روعة خياله ورائق نظمه.
وهو
يعتبر على العموم من أعظم المفكرين والفلاسفة الأندلسين، وقد كان لآرائه
ونظرياته تأثير كبير في تفكير الفيلسوف أبي الوليد بن رشد الحفيد [١] .
ونبغ في سرقسطة أيام بني هود في عهد المستعين بن المؤتمن، المفكر والفيلسوف
السياسى أبو بكر الطرطوشى، نسبة إلى طرطوشة ثغر سرقسطة، وهو صاحب
كتاب " سراج الملوك " الذى يعتبر بموضوعه ونظرياته المبتكرة، من الكتب التي
وضعت أسس السياسة الملوكية في التفكير الإسلامى.
ويشير ابن خلدون إلى هذا
الكتاب في مقدمته ويعتبره من الكتب التي سبقته في موضوعه [٢] .
وقد وضع
الطرطوشى كتابه أثناء إقامته بمصر أيام الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش، وأهداه
[١] راجع الإحاطة لابن الخطيب ج ١ ص ٤١٤ - ٤١٦.
[٢] ابن خلدون في المقدمة (بولاق) ص ٣٣.