دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٧٣
أنه لا يستطيع إرسال هذه الأمداد إلى تطيلة عن طريق سرقسطة خوفاً من غدر
أخيه، ففاوض غرسية ملك نافار، وبعث إليه مالا لكى يسمح بمرور هذه المؤن
عبر أراضيه إلى تطيلة، فأجابه إلى طلبه.
وعلم أحمد بذلك فبعث سراً إلى غرسية، يبذل له ضعف الأموال التي بعثها إليه أخوه، على أن يمكنه من الفتك بقافلة المؤن
حين مرورها داخل أرضه، فاستجاب الملك النصرانى إلى ذلك الإغراء الدنىء، وتم ما دبره أحمد.
ذلك أن قافلة المؤن، وكانت تتكون من بضع آلاف من
الجند، وعدد كبير من الخيل والدواب، ما كادت تجوز أراضي نافار، شمالى
شرقى تطيلة، حتى دهمتها قوات أحمد المقتدر التي رتبها بممالأة غرسية، وفتكت بها، وأبيد معظم رجالها قتلا وأسراً، واستولى النصارى على أسلابهم، وما كان معهم من المؤن، ولم ينج منهم سوى القليل، وكانت واقعة شنيعة تنبىء
عما كانت تنطوى عليه طبيعة أحمد المقتدر من صفات الغدر والاستهتار.
وكان
من أثرها، أن ضعف أمر يوسف، وتوطد سلطان أحمد، واشتد بأسه، وهابه الناس، واسترد القواعد التي كانت تحت يده [١] .
وكانت ضربة المقتدر التالية، استيلاؤه على ثغر طرطوشة.
وكان هذا
الثغر الذى يعتبر مخرج سرقسطة إلى البحر، اذا استثنينا ثغر طرّكونة الواقع على
حدود إمارة برشلونة، والذى كان من أعمال لاردة، كان منذ عهد الفتنة بيد
بعض الفتيان العامريين.
وكان أول من استولى عليها منهم وحكمها لبيب العامرى، وكان حازماً قوى البأس، وحاول المنذر بن يحيى التجيبى أن ينتزعها منه
فاستغاث بمبارك صاحب بلنسية فأمده بجنده، ورد عنها المنذر، ولما توفى مبارك
في سنة ٤٠٨ هـ، خلفه لبيب في حكم بلنسية بدعوة من أهلها، ولما اختلف على
ذلك مع زميله مجاهد العامرى، عاد إلى طرطوشة واستمر في حكمها حتى توفى
في ٤٣٣ هـ (١٠٤١ م) ، فخلفه في الحكم فتى آخر من الصقالبة العامريين يدعى
مقاتل، وتلقب بسيف الملك، واستمر في حكمها حتى وفاته في سنة ٤٤٥ هـ
(١٠٥٣ م) .
فخلفه الفتى يعلى من موالى العامريين أيضاً، ثم حكمها من بعده
الفتى نبيل.
وكان المقتدر بن هود أثناء ذلك ينظر إلى سيطرة أولئك الفتيان
الصقالبة على طرطوشة بعين السخط، ويتحين الفرص لانتزاع هذا الثغر
[١] البيان المغرب ج ٣ ص ٢٢٣ و ٢٢٤.