دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٦٨
أولئك الملوك النصارى، وكف عاديتهم عن بلاده، بل لقد استطاع أن يحملهم
على اتباع سياسة الموادعة والسلم مع جيرانهم من الملوك المسلمين.
ومن ثم فقد
تمتعت سرقسطة في عهده القصير بفترة من الدعة والرخاء، وغدت باتساع عمرانها
وتقدم أحوالها، شبيهة بحضرة قرطبة الكبرى أيام الجماعة، وأدرك الناس بعد وفاته، بعد نظره وحسن تقديره للعواقب [١] .
وكان المنذر فوق ذلك يعشق الأبهة والبذخ، فملأ قصره الفخم بالجوارى
والغلمان والحشم، ونفيس الذخائر والتحف، وكان يتحف أصدقاءه ملوك
النصارى بالهدايا الفاخرة، ويؤكد بذلك مودتهم ورضاهم وكان بين وزرائه
بعض أكابر كتاب العصر، مثل أبي العباس بن مروس من تدمير، وأبى عامر
ابن أزرق، وابن واجب وغيرهم.
وأنشأ شاعر العصر أبو عمر بن درّاج القسطلى في مديح المنذر حينما وفد عليه
قصيدته المشهورة التي مطلعها:
ْبشراك من طول الترحل والسُّرى..
.
صبح بروح السَّفر لاح فأسفرا
من حاجب الشمس الذى حجب الدجى..
.
فجرا بأنهار الندى متفجرا
ومنها:
فلئن تركت الليل فوقى داجياً..
.
فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا
وحللت أرضاً بُدلت حصباؤها..
.
ذهباً يرف لناظرىّ وجوهرا
ضربوا قِداحهم علىّ ففاز بى..
.
من كان بالقِدْح المعلّى أجدرا [٢]
ولما توفى المنذر، خلفه ولده يحيى، وتلقب بالمظفر، وحكم سرقسطة
وأعمالها بضعة أعوام أخرى، وتوفى سنة ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م) .
والظاهر أنه لم
يحكم سياسة الصداقة التي كان يتبعها أبوه مع جيرانه أمراء برشلونة، حيث أغار
صاحبها الكونت رامون بوريل على بعض أطراف مملكته، واضطر أن ينزل له
عن بعض القلاع والحصون.
وخلفه في الملك ولده المنذر بن يحيى، وتلقب بالحاجب معز الدولة.
ولسنا نعرف شيئاً عن أعمال هذا الأمير في المدة التي حكمها، وهى نحو عشرة
[١] البيان المغرب ج ٣ ص ١٧٦ و ١٧٧، وابن خلدون ج ٤ ص ١٦٣.
وراجع دوزى
Recherches, V.
I.
App.
XIV & XVII
[٢] وهى قصيدة طويلة رائعة.
وقد وردت في ديوان ابن دراج الذى سبقت الإشارة إليه
ص ١٢٤ - ١٣٠.
وأورد لنا ابن بسام في الذخيرة منها مقتطفات طويلة (الذخيرة - القسم الأول
المجلد الأول - ص ٥٦ - ٥٨) .