دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢١٩
سرقسطة.
وذلك أن الفتى لبيباً العامرى كان يحكم طرطوشة من أعمال الثغر الأعلى، فثابت لمنذر رغبة في الاستيلاء عليها، وهاجمها، ففر عنها لبيب وسار إلى بلنسية
واستغاث بمبارك، فخرج معه في خمسمائة من خيرة فرسانه، ولقيهم منذر
فغلبوا عليه وهزموه هزيمة شنيعة.
وعاد مبارك إلى بلنسية ظافراً، واستفحل
أمره، ودانت له جماعة الموالى [١] .
واستمر مبارك ومظفر في حكم بلنسية بضعة أعوام، ثم توفى مظفر، واستمر
مبارك من بعده، فترة يسيرة.
وفى ذات يوم خرج للنزهة فحدث حين عبوره
فوق قنطرة النهر، أن عثرت به فرسه، فسقط منها، واصطدم ببعض أخشاب
خرجت من القنطرة فشج وجهه وبطنه ومات لساعته، وكان مصرعه في شهر
ذى الحجة سنة ٤٠٨ هـ (١٠١٧م) [٢] .
ومن الغريب أن مباركاً ومظفراً بالرغم من جهلهما، وبعدهما عن ميدان التفكير
والأدب، كانا يستخدمان في بلاطهما طائفة من كتاب العصر النابهين مثل ابن
التاكرنى، وابن مهلب، وابن طالوت، وكانا يرتبان هؤلاء الكتاب في دولتهم
على نسق مشيخة الوزراء في قرطبة، ويرجعان إلى رأيهم ومشورتهم في معظم
الأمور، وكانا يعملان في حكم بلنسية مستقلين تمام الاستقلال، لا يعترفان
في ذلك برياسة قرطبة أو غيرها.
ومما هو جدير بالذكر أيضاً أن مباركاً ومظفراً كان لهما نصيب من مديح الشعر
المعاصر، وقد مدحهما شاعر العصر، أبو عمر بن درّاج القسطلى بقصيدة رائعة
هذا مطلعها:
أنورك أم أوقدت بالليل ناركِ..
.
لِباغ قراك أم لباغ جوارك
ْورياك أم عرف المجامر أشعلت..
.
بعود الكباء والألوَّة ناركِ
ومبسمك الوضاح أم ضوء بارق..
.
حداه دعائى أن يجود دياركِ
وطرة صبح أم جبينك سافراً..
.
أعرت الصباح نوره أم أعاركِ [٣]
[١] أعمال الأعلام ص ٢٢٦.
[٢] البيان المغرب ج ٣ ص ٣٠٢.
ويقول لنا ابن الخطيب إن مظفراً توفى بعد مبارك
وإنه على أثر مصرع مبارك، ثار العامة ونهبوا القصر وقتلوا مظفراً (أعمال الأعلام ص ٢٢٥) .
[٣] نقل ابن الخطيب في أعمال الأعلام أقوال ابن حيان التي نقلها صاحب البيان المغرب، ورجعنا إليها، وقد نشر جزءاً كبيراً من قصيدة ابن دراج القسطلى (راجع ص ٢٢٢ - ٢٢٥) .
وردت القصيدة كلها بديوان ابن دراج المنشور بعناية الدكتور محمود على مكى (دمشق ١٩٦١)
ص ١٠١ - ١٠٨، وهى من غرر قصائده.