دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٠٤
وكان من أثر هذه الحرية الدينية المطلقة، أن تحققت في نفس الوقت حرية
فكرية شاملة، وانطلقت الأقلام بما شاءت.
وفى هذا الجو المشبع بالتسامح والحرية، كتب أبو عامر أحمد بن غرسية، وهو مولد من كتاب شرقى الأندلس، يرجع
إلى أصل نصرانى بشكنسى، سبى من ماردة صغيراً، ونشأ في بلاط دانية، فى كنف مجاهد العامرى صاحب مملكة دانية والجزائر (٤٠٠ - ٤٣٦ هـ) ، وولده
على اقبال الدولة (٤٣٦ - ٤٦٨ هـ) [١] : كتب رسالته الشهيرة في تفضيل
العجم على العرب، وهى رسالة قوية عجيبة، تفيض تحاملا ضد الجنس
العربى، وتنوه بوضاعة منبته، وخسيس صفاته، وحقارة عيشه وميوله، وانغماسه في شهوات الجنس، وتشيد بالعكس بصفات العجم (والمقصود بها
مختلف أجناس الفرنج) ، وترفعهم عن الشهوات الدنية، وفروستهم، ونجدتهم، وتبحرهم في العلوم، وغير ذلك.
وقد وجه ابن غرسية هذه الرسالة إلى صديقه
الكاتب الشاعر أبي عبد الله بن الحداد، يعاتبه فيها، لأنه يخص ابن صمادح دون
مجاهد وولده على بمدائحه، وصاغها في أسلوب عنيف مقذع، ينبىء بما كان
يضمره هذا الكاتب المولد للجنس العربى من المقت والحقد والكراهية.
ولا تحمل
هذه الرسالة تاريخاً ما.
ولكنا نعرف مما تقدم أن ابن الحداد، الذى وجهت إليه، كان
شاعراً في بلاط المعتصم بن صمادح أمير ألمرية، الذى حكم من سنة ٤٣٣ -
٤٨٤ هـ [٢] .
والمرجح أنها وجهت إليه حوالى سنة ٤٥٠ إلى سنة ٤٦٠ هـ، وابن غرسية
يقيم بدانية في كنف على إقبال الدولة، وإليك بعض ما جاء في هذه الرسالة فى
التنويه بفضائل العجم، ونقائص العرب:
[١] المغرب في حلى المغرب لابن سعيد (القاهرة ١٩٥٥) ج ٢ ص ٤٠٦ و ٤٠٧، وأبو الحجاج البلوى في كتاب الف با (القاهرة ١٢٨٧ هـ) ج ١ ص ٣٥٣.
وابن الأبار في المعجم
رقم ٢٨٢ في ترجمة أبي العباس الجزيرى حيث يقول عنه "وكان بها (أى بدانية) يؤدب أبا جعفر
أحمد بن غرسية الكاتب".
[٢] ان اسم ابن الحداد الذى وجه إليه ابن غرسية رساله، هو الذى ورد في مخطوط
الإسكوريال رقم ٥٣٨ الغزيرى الآتى ذكره.
ولكن ورد في الذخيرة لابن بسام (الجزء الثالث
مخطوط أكاديمية التاريخ بمدريد) وكذلك في كتاب الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشى
(مخطوط باريس السالف الذكر) أن الذى وجهت إليه الرسالة هو أبو جعفر الجزار، وهو باسمه
الكامل أحمد بن محمد بن سهل السرقسطى، وأنه كان عن شعراء بني هود، وكان عالماً أديباً
شاعراً، وكان قد هبط من سرقسطة يريد ألمرية ليلحق بالمعتصم بن صمادح وقد عدل عن الورود
إلى دانية، والالتجاء إلى أميرها على بن مجاهد.
بيد أننا نؤثر الأخذ بما ورد في مخطوط الإسكوريال.