دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٩٤
على أن غزو مجاهد الجرىء لسردانية، وغاراته المتكررة بعد ذلك على
الشواطىء الإيطالية وشواطىء بروفانس، جعلت منه شخصية خيالية مروعة، وتفيض الروايات النصرانية المعاصرة، من إيطالية ولاتينية، في غزوات مجاهد
وغاراته البحرية، وتعرفه باسم موجيتوس Mogetus أو موسيتو Museto وتحيطه
بهالة من البطولة والروع.
وفى بعض الروايات أن المسلمين غزوا سردانية بعد ذلك مرتين أخريين، فى سنة ١٠١٩ م، ثم في سنة ١٠٤٩ م، وذلك بقيادة مجاهد العامرى أيضاً، وأن مجاهداً سقط أخيراً في أيدى النصارى، وهى رواية لا سند لها.
ثم إنه يروى
أيضاً أن البحارة المغامرين أو القراصنة حسبما يسمونهم، من دانية والجزائر، لبثت
تتكرر غاراتهم على الشواطىء الغربية للبحر المتوسط مدة طويلة، يظللها دائماً
اسم "موجيتو" أى مجاهد، على أنه ملك إفريقية.
وإذا كان لنا أن نستخلص
من ذلك شيئاً، فهو الروع الذى كان يبثه اسم هذا البحار الجرىء - مجاهد
العامرى - في ثغور البحر المتوسط الغربية، في ذلك العصر.
ومن الأسف أن الرواية الإسلامية تنقصها الإحاطة في هذا الجانب الشائق
من حياة مجاهد، وهى حياته كبحار من أعظم بحارى العصر، فهى لا تقدم لنا
عنه سوى نبذة يسيرة متناقضة، وهى أكثر اهتماماً بنواحيه العلمية والأدبية.
وعاد مجاهد العامرى من غزوته المنكوبة لسردانية، ليلقى الأمور في دانية
قد اضطربت وتعقدت.
ذلك أن الفقيه أبا عبد الله المعيطى، لم يحفظ العهد، ولم يرع الأمانة، فاستبد بالحكم، واغتصب السلطة لنفسه، ومحا اسم مجاهد
ورسومه، وكثرت مظالمه وعيثه، وابتزازه للأموال، ومجاهرته بالمعاصى.
وما كاد مجاهد يقف على ذلك، حتى بادر بالقبض على المعيطى، ونزعه كل
سلطة وصفة، واشتد في تأنيبه وتعنيفه، ثم أرسله مخفوراً إلى العدوة في سفينة
أنزلته في بجاية، وهنالك لجأ إلى البربر، وعاش مغموراً حتى توفى [١] .
= ج ٤ ص ١٦٤، والمقدمة ص ٢١٢.
وراجع بحثاً بالإسبانية عن مجاهد العامرى وعلى ابنه:
Roque Chabas: Mochahid ijo de Yusuf y Ali ijo de Mochahid en (Estudios
de Erudicion Oriental) Homenaje a Fr.
Codera.
وراجع أيضاً: Amari: ibid ; V.
III
p.
٤ - ١٤
[١] أعمال الأعلام ص ٢٢٠.