دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٨٨
فى شرقى الأندلس، وتمتد رياستها عبر البحر إلى الجزائر الشرقية، فكانت
بذلك تغلب صفتها البحرية على صفتها البرية.
ثم كانت بهذا الموقع المنعزل الحصين
أبعد من أن تنزلق إلى معترك الحرب الأهلية، التي كانت تنحدر إليه ممالك الطوائف
الأخرى، وأبعد عن عدوان مملكة قشتالة، الذى كان يهدد سائر الطوائف.
ومن ثم فإن تاريخ مملكة دانية يتخذ طابعاً آخر، غير ذلك الطابع الذى رأيناه
يغلب على تاريخ ممالك الطوائف الأخرى.
وكانت دانية مثل معظم القواعد الأندلسية الشرقية، عند اضطرام الفتنة
وانهيار الخلافة، من نصيب الفتيان العامريين.
تغلب عليها منهم مجاهد العامرى
في أوائل عهد الفتنة.
وقد كان مجاهد هذا من أكابر زعماء العامريين.
وكان
وفقاً لأرجح الروايات من فحول الموالى أو الفتيان العامريين.
وقد كان معظم
أولئك الفتيان من الصقالبة، من أصول إفرنجية كالألمان واللنبارد والإيطاليين
والجلالقة وأهل البلقان وغيرهم، يؤتى بهم أطفالا ويربون في البلاط تربية عربية
إسلامية.
وكان منهم الفحول والخصيان.
وكان مجاهد ينتمى إلى الفريق الأول
أعنى إلى الفتيان الفحول، وقد نشأ وربى في عهد المنصور بن أبي عامر.
وفى
رواية أخرى أن مجاهداً ينتمى إلى طائفة الموالى العامريين، وقد رباه المنصور
وعلمه، وقيل أيضاً إنه كان مولى لعبد الرحمن المنصور، أو أن أباه يوسف
كان معتوقاً لعبد الرحمن [١] .
وقيل من جهة أخرى إن مجاهداً كان "رومى" الأصل، أعنى من الفتيان الصقالبة [٢] .
ويعتقد العلامة المستشرق أمارى بالاستناد إلى هذه
الإشارة أن مجاهداً يرجع إلى أصل إسبانى محلى [٣] .
بيد أنه مما يؤيد الرواية
الأولى، وهى نسبة مجاهد إلى الموالى، وليس إلى الفتيان الصقالبة، اسمه وكنيته، فهو أبو الجيوش مجاهد بن يوسف بن على، ويزيدها أيضاً ما كانت تتمتع
به شخصية مجاهد من عروبة قوية، ومن تضلع في علوم القرآن واللغة، حسبما
نبين بعد [٤] .
[١] جذوة المقتبس (مصر) ص ٣٣١.
[٢] المراكشى في المعجب ص ٤١.
[٣] M.
Amari: Storia dei Musulmani di Sicilia (Fierenze ١٨٦٨) V.
III.
p.
٤
[٤] ابن خلدون ج ٣ ص ١٦٤، والبيان المغرب ج ٣ ص ١٥٦.
ويقدم إلينا ابن الأبار
مجاهداً بأنه أبو الجيش مجاهد بن عبد الله العامرى (الحلة السيراء ج ٢ ص ١٢٨) .