دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٥٩
وقد كان من أقواهم عزماً، وأنشطهم إلى خوض غمار الحوادث، التي تلت
سقوط الدولة العامرية.
ونحن نعرف أن محمداً بن هشام المهدى حينما تولى الخلافة
ثار عليه سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر في أنصاره ومرشحيه من البربر،
ووقعت بين الفريقين معارك شديدة حول قرطبة وفي الزهراء، هزم فيها سليمان
وحزبه في البداية.
وكان الفتيان العامريون ينقمون على المهدى ما فعله بهشام
المؤيد من حبسه بالقصر واضطهاده، وما فعله بعبد الرحمن المنصور وبنى عامر،
فائتمروا به وقتلوه، وكان من بين مدبرى هذه المؤامرة الحاجب واضح الفتى،
وزميلاه عنبر وخيران، وكانا قد قدما من شرقى الأندلس إلى قرطبة مع عدد
آخر منهم، ليشتركوا في حوادث قرطبة، وليبحثوا عن طالعهم فيها.
ورفع الفتيان الصقالبة، هشاماً المؤيد إلى كرسى الخلافة مرة أخرى، وتولى
واضح حجابته.
ولكن البربر تمسكوا بموقفهم وبمرشحهم سليمان، واستأنفوا
هجومهم على قرطبة وحاصروها، وقاتلوا أهلها بمنتهى الشدة، ودافع
القرطبيون عن أنفسهم بمنتهى البسالة، ولكنهم ضاقوا بالحصار والعدوان ذرعاً،
ووجه اللوم في ذلك إلى الحاجب واضح، فقتله زملاؤه، وفي النهاية
تغلب البربر على كل مقاومة، واعتلى سليمان كرسى الخلافة باسم المستعين، وذلك
في شوال سنة ٤٠٣ هـ (مايو ١٠١٣ م) .
وكان الفتيان العامريون قد خشوا العاقبة بعد مقتل واضح، وهالهم في نفس
الوقت، ما ارتكبه سليمان وصحبه البربر من العيث والسفك، وجرح الكثير منهم
خلال القتال ومنهم خيران، فغادروا قرطبة ناجين بأرواحهم، وقصدوا إلى
شرقى الأندلس مرة أخرى.
وسار خيران أولا إلى أوريولة في شرقى الأندلس فاستولى عليها، ثم وثب
منها على مدينة مرسية عاصمة تدمير، فأخضعها لسلطانه (٤٠٣ هـ) ، وخرج
منها بعدئذ بقواته إلى ثغر ألمرية.
وكان عليها أفلح الصقلبى، وهو حسبما تصفه
الرواية غرٌّ جلف، قد ذهب به العجب كل مذهب، وكان يدل على زملائه
الفتيان الصقالبة بقدمه وشيخوخته، فهاجمه خيران، وقتله هو وولده، وانتزع
منه ألمرية، وذلك في المحرم سنة ٤٠٥ هـ (يوليه ١٠١٤ م) وغدت ألمرية من
ذلك الحين قاعدته الرئيسية، ومستودع أمواله وعدته، كما غدت مركز الدعوة