دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٥٠
وقطعه للسبل إلى آخر ما جاء في أقواله، مما سبق أن ذكرناه في موضعه من قبل [١] .
وعلى أى حال فإنه يبدو أن البرزالى، كان زعيما قوياً، وافر الإقدام والعزم
والشجاعة.
وهذا ما يقرره لنا ابن الخطيب، إذ يصفه بأنه كان يلى باديس فى
جلالة الشأن، وقوة السلطان، " بقية أمراء البربر المسلطين في هذه الفتنة، وأعظمهم شأناً في الدهاء والرجولة، وأبصرهم بتدبير العساكر، وأربطهم جأشاً
على الخطوب المقلقة " [٢] .
وقد رأينا من قبل كيف كان القاضى ابن عباد صاحب إشبيلية، يعتمد فى
البداية على محالفة البرزالى ضد خصومه، وكيف كان البرزالى من جانبه يرحب
بهذه المحالفة، اتقاء لشر بني حمود وأطماعهم في إمارته.
وكان من آثار هذا
التحالف أن حارب البرزالى إلى جانب ابن عباد ضد بني الأفطس أصحاب
بطليوس، في حملته ضد باجة سنة ٤٢١ هـ، وكان من آثاره أيضاً أن توجى يحيى
ابن حمود المعتلى صاحب مالقة شراً من مشاريع ابن عباد، فسار في قواته إلى
قرمرنة وانتزعها من يد البرزالى، فاستغاث البرزالى بحليفه ابن عباد، وبعث
ابن عباد قواته مع ولده إسماعيل، ونشبت بينه وبين المعتلى معركة قتل فيها
المعتلى، واستردت قرمونة وأعيدت إلى البرزالى، وذلك في المحرم سنة ٤٢٧ هـ
(١٠٣٦ م) .
ولكن ابن عباد كانت له نحو قرمونة مشاريع أخرى، فقد كانت قرمونة
حصن إشبيلية من الشرق، وكان وجودها بيد هذا الزعيم البربرى أمر لا يحتمل، ومن ثم فقد تحول ابن عباد فجأة إلى مخاصمة البرزالى، وسير إليه قواته فاستولت
على إستجة، ثم استولت بعد ذلك على مدينة قرمونة، وعندئذ استغاث البرزالى، بزملائه البربر، وهرع إلى نصرته باديس صاحب غرناطة، وإدريس المتأيد
صاحب مالقة، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة، انتهت بانتصار البربر
وهزيمة الإشبيليين ومقتل أميرهم إسماعيل بن عباد، واسترداد قرمونة، وذلك
في أوائل المحرم سنة ٤٣١ هـ (أواخر سنة ١٠٣٩ م) .
وتوفى أبو عبد الله محمد البرزالى بعد ذلك بثلاثة أعوام سنة ٤٣٤ هـ
(١٠٤٢ م) بعد أن حكم قرمونة وأعمالها ثلاثين عاماً.
[١] راجع ص ٣٦ من هذا الكتاب.
وراجع البيان المغرب ص ٢٠٦.
[٢] أعمال الأعلام ص ٢٣٦.