دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٣٤
حتى غدا كأبيه من قبل، أول رجل في الدولة، وأمضاهم تصرفاً في شئونها.
وكان بُلُقِّين ولد باديس الأكبر الملقب بسيف الدولة، والمرشح من بعده
لولاية عهده، ينظر إلى استئثار الوزير اليهودى بزمام الأمور، واستئثار بني جنسه
بالتصرف في الأعمال، وسيطرتهم التامة على الدولة، ينظر إلى ذلك كله بعين
السخط والحسد، وكان يجاهر ببغضه لابن نغرالة، وسعيه إلى إسقاطه، ويفضى
أحياناً إلى خاصته برغبته في إزالته وقتله، وكان يذكى فيه هذا الشعور تحريض
وزراء الدولة، ولاسيما على وعبد الله ابنا إبراهيم الشيخ، وإلقاؤهم في روعه أنه
أحق بهذا النفوذ، وهذه الأموال التي يتمتع بها اليهود، وأنه قد أخمله وأخمل
سائر رجال الدولة بسيطرته عليها [١] .
وكان يوسف من جانبه، يضع عيونه وجواسيسه من خاصة باديس فى
القصر وفي الحريم، فلا يكاد باديس يأتى بحركة أو تصدر عنه كلمة، حتى
يقف عليها لفوره، وكان في نفس الوقت يحيط بلقين بعيونه، ويتقصى سائر
حركاته وسكناته، ويقف على نياته نحوه.
وكان بلقين مع بغضه ليوسف، يبدى
له المودة ويتردد على داره، ويشاطره الشراب، وكان منهمكاً مدمناً.
فاعتزم
يوسف أن يتخلص من بلقين، قبل أن يقضى هو عليه، ودعاه ذات يوم مع
خاصته وصحبه، إلى مجلس شراب حافل، ودس له السم في كأسه، فما كاد يغادر
مجلسه حتى ملكه قىء شديد، وما كاد يصل إلى داره، حتى لزم فراشه، ثم
توفى بعد يومين.
فروع بأديس لمهلك ولده، على هذا النحو المفاجىء، واستطاع
يوسف أن يقنعه باتهام بعض فتيان ولده وجواريه وقرابته، فقتل منهم باديس
عدة، وفر الباقون.
وكان مصرع بلقين بن باديس في سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) [٢] .
ْوكان هذا الحادث مقدمة لحادث أخطر وأوسع مدى، وهو الذى اتسم
به عهد باديس قبل كل شىء.
ذلك أن باديس ترك المجال لوزيره يوسف، وزاد بفقد ولده انطواؤه على نفسه، وزاد يوسف بذلك استئثاراً وسيطرة على
الدولة، وبُسط على غرناطة وأعمالها نوع من الطغيان اليهودى المرهق، واستسلم
سائر الوزراء والشيوخ إلى هذا السلطان.
ولم يكن يناوىء يوسف ويحاول
مقاومته سوى " الناية " وهو شخصية غامضة، وأصله من عبيد المعتضد بن عباد،
[١] التبيان ص ٣٩.
[٢] البيان المغرب ج ٣ ص ٢٦٥، والتبيان ص ٤٠، وأعمال الأعلام لابن الخطيب ص ٢٣١.