دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٢٥
نزولهم، ولذلك ما كنت أقوى نفوسكم، وقد نجانا منهم برحمته، ومضى
القوم ولم يعدموا إلا رئيسهم، واستخلافه هين عليهم، ولست آمن عودهم جملة
إليكم فيما بعد، فلا يكون لنا قوام بهم ".
هذا ومن جهة أخرى فقد كان زاوى
يخشى من غدر بربر زناتة أعدائهم الحقيقيين، ويخشى بالأخص أن يتحالفوا
ضدهم مع أهل الأندلس، فتكون الطامة الكبرى عليهم.
وأخيراً فقد كان زاوى
يرى بعد وفاة باديس بن المنصور أمير إفريقية، الذى اضطهده وقومه، وولاية
ولده الطفل المعز حفيد أخيه بلكين، أن الجو قد تهيأ لعودته، واحتلال مكانته
في وطنه.
ومن ثم فقد اعتزم زاوى أن يغادر الأندلس إلى إفريقية، وقال لقومه:
" فالرأى الخروج عن أرضهم، واغتنام السلامة مع إحراز الغنيمة، والرجوع
إلى الحملة التي انفصلنا عنها" [١] .
وهكذا قرر زاوى بن زيرى العودة إلى إفريقية بالرغم من معارضة ولده
ووجوه قومه.
وخرج عن غرناطة في أهله وأمواله، مستخلفاً عليها بعض شيوخ
قومه، وركب البحر من المنكب، ومعه الكثير من الأموال والذخائر.
وكان
خروجه من الأندلس في سنة ٤١٠ هـ (١٠٢٠ م) .
واستقبله حفيد أخيه المعز
ابن باديس صاحب إفريقية وبنو عمه أجمل استقبال، وأنزل في القيروان أجمل
منزل، وكان بعد مهلك الشيخة من بني عمه وذوى قرابته زعيم القوم، وكان النساء
من محارمهم نحو ألف امرأة لا يحتجبن عنه.
بيد أنه لم يلق بالقيروان في ظل
المعز، ما كان يؤمل من رياسة وسلطان [٢] .
قال ابن الخطيب: " وكان زاوى كبش الحروب، وكاشف الكروب، خدم قومه، شهير الذكر أصيل المجد، المثل المضروب في الدهاء، والرأى، والشجاعة والأنفة والحزم " [٣] .
وعلى أثر ارتحال زاوى سعى الفقيه ابن ابى زمنين قاضى غرناطة، في أن يعين
لولايتها حبوس بن ماكسن ابن أخى زيرى، فلحق به في حصن أشتر على مقربة
[١] راجع التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله ص ٢٤ و ٢٥، والذخيرة القسم الأول
المجلد الأول ص ٤٠٢ و ٤٠٣، والبيان المغرب ج ٣ ص ١٢٨، وابن خلدون ج ٦ ص ١٨٠.
[٢] الذخيرة القسم الأول، المجلد الأول ص ٤٠٢، والإحاطة (القاهرة ١٩٥٦) ج ١
ص ٥٢٥.
[٣] الإحاطة ج ١ ص ٥٢٢.