دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٢٤
وأنهم بعد أن نزلوا بأرض إلبيرة، رأوا أنها بموقعها لا تصلح للدفاع، واتفق رأيهم على أن يبتنوا في البسيط الواقع على مقربة منها، في وادي شَنيل
المنحدر من جبل شُلَّير [١] ، وهو البسيط الذى يحجبه الجبل، مدينة جديدة ينزلون
بها، وتكون معقلهم، فشرعوا في بنيانها.
وهكذا قامت مدينة غَرناطة، وكان
قيامها نذيراً بخراب إلبيرة، فعفت منازلها بسرعة، وأسبل عليها النسيان ذيله، وأخذت غرناطة تنمو بسرعة وتحتل مكانها [٢] .
استقر بنو مناد إذاً في كورة غرناطة، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن حوادث
قرطبة.
ذلك أن علياً بن حمود الإدريسى، لما استولى على عرش الخلافة فى
المحرم سنة ٤٠٧ هـ (يوليه ١٠١٦ م) ، وقتل سليمان آخر الخلفاء الأمويين
بالأندلس، نهض خيران العامرى، فأعلن الخلاف، وأعاد الدعوة لبنى أمية فى
شخص عبد الرحمن بن محمد من أحفاد الناصر، ولقبه بالمرتضى، وانضم إليه فى
تلك الحركة منذر بن يحيى التجيبى أمير الثغر، وعدة من ولاة شرقى الأندلس، وسار في جموع كبيرة لمقاتلة الحمّودبين، ولكنه عرج في جموعه أولا على غرناطة
لمقاتلة جيش صَنهاجة القوى، فلقيه أميرها زاوى بن زيرى في قواته، ونشبت
بينهما معركة شديدة استمرت أياماً، وانتهت بهزيمة أهل الأندلس وتمزيق
جموعهم، ومقتل خليفتهم المرتضى، وكان ذلك في سنة ٤٠٩ هـ (١٠١٩ م) .
على أن هذه المعركة كان لها أثر عميق في نفس زاوى، فبدلا من أن يرى فى
كسبها دليل التفوق والاستقرار، شعر بالعكس مما آنسه من مرارة القتال وروعته
أن هذا النصر إن كان بداية طيبة، فقد تعقبه نكسات ومحن لا يستطيعون الصمود
لها، وأن أهل الأندلس لن يتركوا مقارعة البربر، حتى يفوزوا بالقضاء عليهم.
وقال زيرى لقومه، حسبما يروى لنا الأمير عبد الله: " وقد علمت وأيقنت أنه
هذا يكون دأبهم أبداً (أى أهل الأندلس) ، وإن كنا قد منحنا الظفر في أوله
صفقة، لم نأمنهم على أنفسنا وديارنا في كل حين، وهم إن قتل منهم واحد خلفه
ألف، مع ميل جنسيتهم من الرعايا إليهم ".
وهو ما يورده ابن حيان على لسان
زيرى على النحو الأتى: " إن انهزام من رأيتموه لم يكن عن قوة منا، إنما جره
مع القضاء، غدر ملوكهم لسلطانهم ليهلكوه كما فعلوا.
فإنى عرفت ذلك من يوم
[١] هو بالإسبانية Sierra Nevada أو جبل الثلج.
[٢] راجع كتاب التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله ص ١٨ - ٢٢.