دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٢٢
وبين خصومهم من أمراء زناتة وغيرها، من القبائل الموالية لبنى أمية خلفاء
قرطبة.
وقد تتبعنا فيما تقدم أدوار تلك المعركة، التي نشبت في المغرب، بين
الدعوة الفاطمية، وبين الخلافة الأندلسية، منذ أيام الناصر لدين الله، واستعر
لظاها بالأخص أيام الحكم المستنصر، ثم المنصور بن أبي عامر، وكانت صنهاجة
تحمل دائما، وعلى يد بني مناد ولاة إفريقية، علم الدعوة الفاطمية، وتحمل زناتة
وحلفاؤها علم الخلافة الأندلسية.
وقد انتهت هذه المعركة أيام المنصور، حسبما
رأينا، إلى هزيمة صنهاجة، وتوطيد سلطان الدعوة المروانية بالمغرب.
وقد حدث أيام ولاية باديس بن المنصور على إفريقية، حادث كان له فيما بعد
أكبر صدى، في حوادث الأندلس.
ذلك أن باديس استبد بقومه آل مناد، ووقعت بينه وبين أعمامه وأعمام أبيه، فتن ومعارك، قتل في أثنائها، عم أبيه
ماكسن بن زيرى بن مناد، فاستوحش الباقون من عاديته، وعولوا على مغادرة
إفريقية، وكتب شيخهم زاوى بن زيرى إلى المنصور بن أبي عامر، يستأذنه
الجواز بقومه إلى الأندلس، للجهاد في سبيل الله، فأذن لهم، وعبر زاوى
ابن زيرى ومعه أبناء أخيه ماكسن المقتول، حُباسة وحَبُّوس وماكْسَن في أهلهم
وأموالهم إلى الأندلس سنة ٣٩١ هـ، فأكرمهم المنصور وأنزلهم منزلا حسناً [١] ، واتخذهم له بطانة وعوناً، ونظمهم مع زناتة، وسائر بطون البربر الأخرى، وقويت شوكتهم في أواخر أيام المنصور، ثم في أيام ولديه عبد الملك، وعبد الرحمن، ورجحت كفتهم في الجيش، وغدوا للدولة عضداً.
وقد كان
إذن المنصور لزيرى وقومه، وهم من صنهاجة ألد خصوم الدعوة المروانية
والدولة العامرية، بالجواز إلى الأندلس، عملا من أعمال السياسة المستنيرة، وكان غنماً مادياً وأدبياً للدولة العامرية.
[١] كتاب التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله ص ١٧، وابن خلدون في كتاب العبر ج ٦
ص ١٥٧ و ١٥٨ و ١٥٩.
ولكن هناك رواية أخرى تقول إن زاوى وقومه وفدوا على عبد الملك
المظفر بن المنصور، وأنه هو الذى أذن لهم بالجواز.
وهذه هى رواية ابن حيان التي أوردها صاحب
الذخيرة (المجلد الأول القسم الرابع ص ٦١) ، ويتابعه فيها صاحب البيان المغرب (ج ٣ ص ٢٦٣)
وكذلك ابن الخطيب في الإحاطة (القاهرة) ج ١ ص ٤٤٠ و ٥٢١.
وقد أخذنا نحن بالرواية
الأولى، أولا لأنها رواية عبد الله بن بلكين، وهو حفيد ماكسن أخى زاوى، وأدرى بتاريخ
أسرته، وثانياً لأن ابن خلدون، وهو حجتنا الأولى في تاريخ البربر، يأخذ بها، ويحدد لنا سنة
الجواز في سنة ٣٩١ هـ، أعنى قبل وفاة المنصور بنحو عامين.