دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٠٧
فتى حدثاً، قليل الخبرة والتجارب قد ربى في أحجار النساء، ونشأ بين الخصيان
والغانيات، فغلب على أمره العبيد والموالى.
وكان يحكم مملكة عظيمة ولكن
مفككة.
وكان المأمون قد قسم الأعمال بين وزيريه الأثيرين، وهما ابن الفرج
والفقيه أبو بكر بن الحديدى، وكان الأول يختص بتدبير الأجناد، والنظر
في طبقات القواد، والشئون السلطانية، والأعمال الديوانية، ويختص الثاني
بالنظر في الشئون المالية وشئون الرعية، وإبداء الرأى والمشورة.
وأوصى المأمون
قبل وفاته حفيده، بأنه متى اضطلع بالحكم، أن يعتمد على عون ابن الحديدى
ونصحه، وأن يأخذ رأيه في كل أمر، واتخذ العهود الوثيقة على ابن الحديدى، أن يخلص النصح لحفيده، وأن يشد أزره بكل ما وسع.
بيد أنه لم يمض سوى
قليل، حتى بدأ نفر من خاصة القادر يسعون لديه في حق ابن الحديدى، ويوغرون صدره عليه، ويقنعونه بأنه لا يمكن أن يحكم بصورة حقيقية، حتى
يتخلص من نير ابن الحديدى وطغيانه؛ وكان المأمون قد قبض من قبل بإيعاز
ابن الحديدى على جماعة من أعيان طليطلة، واعتقلهم بالمعتقل خشية انتقاضهم
فرأى القادر بعد أن استقرت لديه فكرة التخلص من ابن الحديدى، أن
يستظهر بهم عليه، فأطلقهم واستدعاهم إلى مجلسه، فلما حضر ابن الحديدى
ورآهم، استشعر الخطر، وحاول أن يلوذ بحماية القادر، فغادر القادر المكان، وفتك الحضور بابن الحديدى، ونهبت دوره، وكان ذلك في أوائل المحرم
سنة ٤٦٨ هـ (١٠٧٦ م) .
ولم يلبث القادر أن أدرك سقطته؛ وأخذ يجنى ثمار جريمته.
فقد وهم أنه
تخلص من نير ابن الحديدى، ولكنه وقع في براثن تلك الطغمة التي آزرته فى
الجريمة، وبدأ أولئك الأعيان الحاقدون، خصوم جده القدماء، يحيكون له
الدسائس، ويضعون الصعاب في طريقه، ويثيرون الشعب ضده، حتى ضعف
سلطانه، وبدأت أعراض الثورة تبدو في النواحى.
وكان ابن هود صاحب
سرقسطة، يرهقه بمطالبه وغاراته، ويستعين ضده بالجند النصارى، حتى
انتهى بأن انتزع منه مدينة شنتبرية.
ومن جهة أخرى فقد ثار أبو بكر بن عبد العزيز
ببلنسية وخلع طاعة بني ذى النون، ونادى بنفسه أميراً مستقلا، فداخله ابن هود
وخطب إليه ابنته أملا في أن يستطيع بذلك التغلب على بلنسية.
وكادت مدينة