أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٨ - الدليل الأول الكتاب
المؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد كافّة وتأمرهم بالانقسام إلى طائفتين: فطائفة منهم تنفر إلى الجهاد، وطائفة اخرى تبقى عند الرسول للتفقّه في الدين.
والقائلون بهذا الوجه استشهدوا له بصدر الآية وهو قوله تعالى: «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً» فإنّه يدلّ على أنّهم كانوا ينفرون كافّة إلى الجهاد وذلك لكي لا تشملهم الآيات النازلة في المنافقين القاعدين، فتنهيهم الآية عن هذا النحو من الخروج وتقول: الجهاد مع الجهل واجب كالجهاد مع العدوّ.
وهذا الوجه مخالف لظاهر الآية من بعض الجهات: أوّلًا: أنّه يحتاج إلى تقدير جملة «وتبقى طائفة» وثانياً: لابدّ من رجوع الضمير في قوله «ليتفقّهوا» إلى الطائفة الباقية مع أنّ الظاهر رجوعه إلى الفرقة النافرة المذكورة في الآية، وثالثاً: من ناحية رجوع الضمير في «ولينذروا» إلى الطائفة الباقية أيضاً مع أنّ ظاهره أيضاً الرجوع إلى النافرة.
الوجه الثاني: أن يكون المراد من النفر النفر إلى الجهاد أيضاً مع عدم التقدير المذكور في الوجه الأوّل، فيرجع الضميران إلى الطائفة النافرة، أي التفقّه والإنذار يرجعان إليهم، واللَّه تعالى حثّهم على التفقه في ميدان الحرب لترجع إلى الفرقة المتخلّفة فتحذّرها.
إن قلت: كيف يمكن التفقّه في ميدان الجهاد.
قلت: يحصل التفقّه هناك بالتبصّر والتيقّن بما يريهم اللَّه من الظهور على المشركين ونصرة الدين وظهور صدق قوله تعالى: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ» [١] وكذلك قوله تعالى: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ» [٢].
وهذا الوجه أيضاً مخالف للظاهر من وجهين:
الوجه الأوّل أنّه خلاف ظاهر التفقّه في الدين وخلاف قوله: «ليتفقّهوا» بصيغة المضارع، فإنّه ظاهر في الاستمرار لا في التفقّه في مقطع خاصّ وزمان معيّن (هو زمان الجهاد) كما أنّ كلمة الدين أيضاً ظاهرة في جمّ غفير من المسائل والمعارف الدينيّة لا في خصوص صفة من صفات الباري تعالى كقدرته ونصرته.
الوجه الثاني: أنّه يبقى السؤال في الآية بعدُ من أنّه لماذا منع من نفر الجميع للتفقّه في الدين؟
[١] سورة البقرة: الآية ٢٤٩.
[٢] سورة الأنفال: الآية ٦٥.