أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠ - ٤- الكلام في مفهوم الحصر
الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله وحاصله: إنّ المقدّر لخبر «لا» هو لفظ «موجود» أي لا إله موجود إلّااللَّه، ولكن المراد من الإله هو واجب الوجود، وحينئذٍ نفي وجود غيره في الخارج وإثبات فرد من الواجب في الخارج ممّا يدلّ على إمتناع غيره، إذ لو لم يكن الغير ممتنعاً لوجد في الخارج، لأنّ المفروض إنّه واجب لا ممكن.
الوجه الثاني: ما أفاده المحقّق الإصفهاني رحمه الله وحاصله: سواء كان المقدّر لفظ «موجود» أو لفظ «ممكن» كان وجود الغير وإمكانه معاً منتفيان، إمّا بناءً على الأوّل فبنفس ما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله، وأمّا بناءً على الثاني فلأنّه يكون المراد من الإله في هذا الحال أيضاً هو واجب الوجود، أي لا واجب ممكن إلّااللَّه، فينفي إمكان الغير بالمدلول المطابقي ووجود الغير بالمدلول الالتزامي (على عكس الصورة الاولى) لأنّ ما ليس بممكن لا يكون موجوداً بالملازمة كما لا يخفى، كما أنّه يثبت إمكان وجود الباري تعالى بالمطابقة ووجوده في الخارج بالملازمة لأنّه إذا كان واجب الوجود ممكناً كان موجوداً لا محالة لوجوبه [١].
الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله فإنّه قال: «يمكن أن يقال: إنّ كلمة لا الواقعة في كلمة التوحيد مستغنية عن الخبر كما هو الحال في كلمة لولا الامتناعيّة وفي كلمة ليس التامّة، وأمّا ما ذكره النحويون من كون الخبر محذوفاً في هذه الموارد فلا يبعد أن يكون مرادهم به عدم الحاجة إلى الخبر فيها لا أنّه محذوف حقيقة، فكلمة «لا» تدلّ على عدم تقرّر مدخولها في الوعاء المناسب له، ففي الرّواية المعروفة (لولا علي لهلك عمر) يكون المراد ترتّب الهلاك على عدم تقرّر علي عليه السلام في الخارج، لأنّ هذا هو الوعاء المناسب لتقرّره عليه السلام، وإمّا في كلمة التوحيد فالمراد من التقرّر المنفي هو التقرّر مطلقاً ولو في مرحلة الإمكان، فتدلّ الكلمة المباركة على نفي الوجود والإمكان عن غير اللَّه وإثبات كليهما له تبارك وتعالى» [٢].
أقول: الإنصاف أنّ ما أفاده العلمان الأوّلان (المحقّق الخراساني والمحقّق الإصفهاني رحمهما الله) كلاهما لا يكفيان لدفع الإشكال لأنّهما مبنيان على دقّة عقليّة فلسفيّة لا يفهمها إلّاالفيلسوف، مع أنّ المفروض أنّ هذه الكلمة من أي شخص صدرت تدلّ على إسلامه، وأمّا ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله فإنّه أيضاً غير تامّ لجهة اخرى وهي أنّه لم يثبت استعمال كلمة «لا» تامّة نظير ليس
[١] راجع نهاية الدراية: ج ١، ص ٣٣٢، من الطبع القديم.
[٢] أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٤٠.