أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٨ - الأمر الثالث في تأسيس الأصل في المسألة
جواز انفكاك الحجّة عنهما كما في الظنّ الانسدادي على الحكومة ولكن لا يكاد يجوز تحقّقهما في غير الحجّة، فليس كلّ حجّة ممّا صحّ الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه وصحّ نسبته إليه تعالى، ولكن كلّما صحّ الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه وصحّ نسبته إليه تعالى كان حجّة قطعاً.
أضف إلى ذلك أنّه لا حاجة بناءً على مبنى المحقّق الخراساني رحمه الله في تفسير الحجّية إلى التمثيل بالظنّ الانسدادي على الحكومة، لأنّه بناءً على ذلك المبنى في تمام الحجج الشرعيّة لا يجوز الإسناد والالتزام لأنّ الحجّية عنده بمعنى المنجّزيّة والمعذّريّة، وهما في الواقع قضيتان شرطيتان، أي لو وافق مؤدّى الأمارة الواقع كان منجزاً ولو خالفه كان عذراً، وليستا حاكيتين عن حكم واقعي أو ظاهري حتّى يصحّ الإسناد، فظهر أنّ مآل الطريقين إلى أمر واحد.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني رحمه الله استدلّ للمسألة بالضرورة فقال: «ضرورة أنّه بدونه لا يصحّ المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرّد إصابته ولا يكون عذراً لدى مخالفته مع عدمها ولا يكون مخالفته تجرّيّاً ولا يكون مخالفته بما هي موافقة انقياداً».
ومقصوده من الضرورة هنا هو الضرورة العقليّة والبداهة الوجدانيّة، وهو كذلك، لأنّ الوجدان حاكم على عدم ترتّب آثار الحجّية على أمارة ما لم تتّصف بالحجية الفعليّة في مقام الإثبات.
وأمّا شيخنا الأنصاري رحمه الله فاستدلّ لحرمة الإسناد والإلزام التي يستفاد منها عدم الحجّية بالدلالة الالتزاميّة كما مرّ بالأدلّة الأربعة وقال: «التعبّد بالظنّ الذي لم يدلّ على التعبّد به دليل، محرّم بالأدلّة الأربعة ويكفي من الكتاب قوله تعالى: «قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ» دلّ على أنّ ما ليس بإذن من اللَّه من إسناد الحكم إلى الشارع فهو افتراء، ومن السنّة قوله صلى الله عليه و آله في عداد القضاة من أهل النار «رجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم» [١]، ومن الإجماع ما ادّعاه الفريد البهبهاني في بعض رسائله من كون عدم الجواز بديهيّاً عند العوام فضلًا عن العلماء، ومن العقل تقبيح العقلاء من يتكلّف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده من المولى ولو كان جاهلًا مع التقصير».
[١] وسائل الشيعة: الباب ٤، من أبواب صفات القاضي، ح ٦.